|
استحضار ذكرى «الأمير الخطابي» لطي عقود من التهميش
والصراع
المغرب على أبواب المصالحة بين القصر و«الريف»

الرباط - «النور»
من الامير عبد القادر الجزائري الى الامير عبد الكريم الخطابي، امراء
المغرب في منافي المشرق، ملف تفتحه النور لمناسبة الاجراءات التي
يتخذها الملك محمد السادس لاستعادة رفات الخطابي والترميمات التي تجري
على قصر عبد القادر في دمشق. فما هي ظروف النفي، وما هي علاقة الامير
بموطنه المغربي ومنفاه المشرقي، مصر في حالة الخطابي، وسوريا في حالة
الجزائري.
في مغرب اليوم تطفو على سطح المشهد السياسي المحلي جملة من المؤشرات
يمكن اعتمادها للدلالة على وجود رغبة لدى الدولة لإحداث قطيعة مع
ممارسات الماضي التي مست بالأساس حقوق الإنسان. ومن بين تلك المؤشرات
ما اصطلح عليه في الأدبيات السياسية المغربية بـ«الإنصاف والمصالحة»،
أي إنصاف ضحايا سنوات الرصاص والقمع، والمصالحة مع تاريخ لا يسر
الناظرين في أحداثه ووقائعه.
ولنقل هذا المؤشر من مجرد فكرة وطموح إلى واقع وممارسة، أُحدثت، العام
المنصرم، «هيئة الإنصاف والمصالحة» كأداة أوكل إليها تحقيق هذا
الانتقال من الفكرة إلى الفعل. ونعتقد أن إنشاء هذه الهيئة للنظر في
ممارسات الماضي يتضمن اعترافا صريحا ورسميا من الدولة بالانتهاكات التي
شهدها المغرب منذ السنوات الأولى للاستقلال إلى ولاية محمد السادس
9991. ويتضمن، أيضا، اعتذارا ضمنيا للشعب، وللضحايا بخاصة، عن تلك
الانتهاكات والتجاوزات.
لكن من الخطأ أن نتصور أن فتح ملفات الماضي كاف لإحداث نقلات نوعية في
المجتمع المغربي نحو تنمية حقيقية. فقد تكون هذه الخطوة ضرورية لكنها
ليست كافية، وهي مهمة من الناحية النفسية وتضع المغرب على السكة
الصحيحة، لكنها تتطلب التسلح برؤية عميقة ودقيقة لكيفية إنجاز تنمية
حقيقية على الأصعدة كافة والمستويات المختلفة. فمشكلة المغرب، وكثير من
البلدان العربية الأخرى، تتمثل، أساساً، في غياب الرؤية أو عدم وضوحها،
أي بمعنى آخر غياب برنامج مجتمعي متكامل.
ومن بين الملفات، التي يفترض، أن يشملها الإنصاف والمصالحة، «ملف
الريف» (أقاليم شمال المغرب)، أو بعبارة أكثر وضوحا «ملف الخطابي»،
وهما ملفان متلازمان، لأنه لا معنى للمصالحة والإنصاف من دون مصالحة
وإنصاف منطقة تعرضت لكثير من التهميش كنوع من العقاب الجماعي بسبب
مجموعة من الاختيارات السياسية والمجتمعية التي آمن بها الخطابي.
نعم، اختلف محمد بن عبد الكريم الخطابي مع الكثيرين من رواد «الحركة
الوطنية المغربية» (الحركة التحررية) في شأن تقدير الموقف من القوى
الاستعمارية، وكذلك في شأن طبيعة الاستقلال الذي سيحقق للمغرب استقلالا
حقيقيا لا شكليا. وليست المشكلة - في رأينا - في وجود الاختلاف، فهذا
أمر طبيعي، إنما المشكلة عندما نلصق كل الأوصاف «السيئة» بالآخر الذي
نختلف معه من أجل تقزيمه وتهميشه.
وبالفعل، فقد قاد الاختلاف مع الخطابي، الذي اشتهر بنعت الأمير، إلى
إطلاق العنان للخيال لهندسة مجموعة من الصور النمطية التي طال بعض منها
الشخصية المذكورة والبعض الآخر منطقة الريف. فالخطابي في نظر خصومه
متمرد، وذو نزعة انفصالية، ولا يؤمن إلا بالسلاح، ومنطقة الريف لا تصلح
لشيء إلا للتهريب وزراعة المخدرات. وهكذا حرم المغرب من فكر رجل تبين
في ما بعد أن تحليله للأوضاع الإقليمية كما الدولية كان دقيقاً
وصائباً. ويكفي أن نعلم أن أبرز المشاكل التي يواجهها المغرب حاليا،
بخاصة تلك المتعلقة بوحدته الترابية في الشمال والجنوب، كان من الممكن
أن تجد طريقها إلى الحل والتسوية، وما كانت لتستنزف المغرب ماديا
ومعنويا واجتماعيا. كما حرم المغرب- أيضا- من منطقة تتوفر على مؤهلات
فريدة في المجالات كافة.
شعور بالخطأ
إن كثيرا من المغاربة يشعرون اليوم أنهم أخطأوا في حق الأمير الخطابي،
وفي حق منطقة الريف، ويريدون أن ينصفوا هذا الرجل، ويصالحوا هذه
المنطقة. ولعل نية الدولة في فتح ملف إرجاع رفات الأمير من مرقده في
القاهرة إلى وطنه الأم، ونيتها كذلك في تنمية الريف، لعل كل هذه
النوايا مؤشرات أخرى على إرادة الإنصاف والمصالحة. تضاف إلى ذلك
الإشارات التي بدرت من العاهل المغربي الشاب محمد السادس منذ توليه
الحكم، ومنها زياراته المتكررة إلى المنطقة المذكورة وإشرافه على إطلاق
بعض مشاريع التنمية، ووقوفه في عين المكان إلى جانب ضحايا زلزال
الحسيمة الذي وقع في 32 شباط -فبراير- 2003. كما تتجلى تلك الإشارات في
تكليف الملك أحد مستشاريه الدكتور عباس الجِـراري بحضور ندوة مهمة
أقيمت في مدينة الحسيمة يومي 82 و92 تموز-يوليو- 4002، حول «لجوء
الخطابي إلى مصر: الأبعاد والدلالات».
ويمكن أن يقرأ المتتبعون من مثل هذه الإشارات أن الحكم المغربي الحالي
يرغب في طي صفحة الجفاء التي ميزت علاقة القصر بمنطقة الشمال المغربي،
وبخاصة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
الملف التالي ـ الذي يصادف الذكرى 24 لوفاة الخطابي في 6 شباط -فبراير-
3691، وكذا مرور عام كامل على زلزال الحسيمة ـ يسعى إلى تقريب القارئ
من فهم شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي، والأسباب التي تستدعي
المصالحة مع منطقة الريف، وطبيعة المصالحة الحقيقية مع هذه المنطقة.
وسيتم التطرق في هذا الملف إلى مسألة إرجاع رفات الأمير إلى وطنه،
إضافة إلى قضايا أخرى لها علاقة بموضوعات الريف والمصالحة، وذلك من
خلال مجموعة من الحوارات مع أبرز المهتمين بتاريخ الحركة الوطنية،
وبالخصوص تاريخ الخطابي. ويتضمن الملف - أيضا- حوارا مع عائشة الخطابي
ابنة الأمير، التي تقرّبنا أكثر من حياة الخطابي وأجواء أسرته.
|