|
الدبلوماسي السابق علي
الادريسي:
محمد عبدالكريم الخطابي قبلة
لأحرار العالم

لتسليط مزيد من الأضواء على سيرة محمد بن عبد
الكريم الخطابي، التقت «النور» الباحث والدبلوماسي المغربي السابق
علي الإدريسي، فتحدث عن الظروف التي قادت الأمير الخطابي إلى
الاستقرار في القاهرة، والأسباب التي حالت دون عودته إلى وطنه
الأم، قائلا:
«حين انتهت حرب الريف في أيار -مايو - 1926،
عقب الاستعمال القوي للغازات السامة من قبل إسبانيا ثم فرنسا، اضطر
عبد الكريم الخطابي، بل اختار أهون الشرين، ألا وهو الاستسلام
لفرنسا التي نفته إلى جزيرة لارينيون في المحيط الهادي حيث قضى 21
سنة في منفاه السحيق، (وكان ذلك منافيا لتعهدات فرنسا لعبد الكريم
الخطابي). وبعد الحرب العالمية الثانية، وبداية انقلاب الموازين
الدولية لصالح أميركا وروسيا السوفياتية، وصعود التيار التحرري لدى
الشعوب المستعمرة من قبل فرنسا وإنكلترا آنذاك، قررت فرنسا نقل عبد
الكريم وأسرته، التي كانت تتكون من 40 فردا، إضافة إلى والدته التي
توفيت في منفى جزيرة «لارينيون»، إلى جنوب فرنسا لأهداف ومرام ما
زالت محلّ اختلاف بين المؤرخين، اذ يقال إن من بين تلك الأهداف
استعمال ورقة الخطابي للضغط على السلطان محمد الخامس الذي بدأت
أفكاره تنحاز إلى استقلال المغرب عن فرنسا.
وصادف أن الباخرة التي نقلت عبد الكريم وأسرته
إلى منفاه الجديد في جنوب فرنسا توقفت في أكثر من ميناء، بخاصة
ميناء عدن، واستقبل من المسلمين في كل تلك الموانئ استقبال
الأبطال، فطار الخبر إلى مصر التي كانت مركزا مهما للحركات الوطنية
المغاربية. وتقرر نقل ترحيب الحكومة المصرية إلى الأمير الخطابي
عند توقفه في بورسعيد إذا أبدى رغبته في طلب اللجوء السياسي من
الحكومة المصرية.
وفعلا نزل الخطابي وأسرته، في 31 أيار - مايو -
1947 في مصر باستثناء جثمان والدته الذي بقي في الباخرة، واستقبل
استقبالا حسنا من الملك فاروق ملك مصر آنذاك، ومن زعماء الحركات
الوطنية المغاربية والشخصيات العربية والإسلامية التي كانت مقيمة
في القاهرة. ومن أمين عام جامعة الدول العربية آنذاك عبد الرحمن
عزام. هذه باختصار قصة وجود عبد الكريم في القاهرة، واستقراره فيها
منذئذ حتى وافاه الأجل في 6 شباط - فبراير- 1963. واستمر الخطابي
مجاهدا ومناضلا ومكافحا، ليس فقط من أجل حرية المغرب، وإنما من أجل
كل أقطار المغرب الكبير والأقطار العربية والإفريقية».
ويضيف الإدريسي: «مما هو معروف أن الخطابي كانت
له رؤية مغايرة لاستقلال المغرب، بل ولاستقلال كل أقطار المغرب
الكبير. فهو كان يعارض بشدة خروج الاستعمار من الباب لكي يدخل من
النوافذ. كما أن أولئك الذين قمعوا الشعب المغربي واضطهدوه تحت
راية الاستعمار كان عليهم أن يقدموا الاعتذار لشعبهم، لا أن
يتبوؤوا المناصب العليا في دولة الاستقلال، ويمارسوا الأساليب
نفسها عليه. أما الأمر الثالث- وهو الأهم في نظري- فيتعلق بمضمون
الاستقلال الذي حصل عليه المغرب من فرنسا ومن إسبانيا، (المغرب كان
مستعمرا في الشمال والصحراء من طرف إسبانيا، وفي الوسط والجنوب من
فرنسا). اذ قبلت الحركة الوطنية السياسية والسلطان محمد الخامس
استقلال المغرب ناقصا من أطرافه في الشمال، مثل مدينة سبتة ومليلة
وجزر النكور وملوية وبادس (التي ما زالت إلى الآن مستعمرة من لدن
إسبانيا) وناقصا في الجنوب من المنطقة التي كانت تسمى «الصحراء
الإسبانية» (الساقية الحمراء ووادي الذهب) التي تم استرجاعها في
أواخر 1975، والتي لا يزال الشعب المغربي يعاني ويدفع الثمن باهظا
جراء تخلي قادته السياسيين، عشية الاستقلال، عن خطط جيش التحرير
المغربي الهادفة إلى التحرير الكامل لكل التراب المغربي. وكان عبد
الكريم يرفض رفضا تاما استقلال المغرب من دون أجزائه، ولطالما نبه
إلى العواقب الخطيرة لذلك المسلك. هذه نقطة خلاف جوهرية بينه وبين
السلطان وحزب الاستقلال آنذاك».
وعما اذا كان نزول عبد الكريم الخطابي في
القاهرة أثار تعاطفا دولي يجيب الإدريسي: «كان عبد الكريم بمثابة
قبلة لأحرار العالم، فـتشي غيفارا مثلا زار القاهرة سنة 1960
ليلتقي عبد الكريم الخطابي، وكان هوشي منه يناديه أستاذي، واعتبره
ماوتسي تونغ مبدع حرب العصابات. وكان محل تقدير من كل الحركات
الوطنية والإسلامية مشرقا ومغربا. وحظي بعناية الباكستانيين،
والملك عبد العزيز آل سعود، وملك ليبيا إدريس السنوسي، والملك
فاروق ملك مصر، وزعماء الحركات القومية في كل من العراق ولبنان
وسوريا وفلسطين، إضافة إلى قيادة الثورة المصرية بعد 1952.
في الوقت نفسه، وظفت الحركات السياسية
المغاربية (تونس والجزائر والمغرب) شخصية عبد الكريم العالمية من
أجل الترويج لنفسها عربيا ودوليا. ويحضرني في هذا المقام ما ذكره
المهدي بنونة (أحد أقطاب الحركة الوطنية المغربية) حول تأسيس مكتب
المغرب في نيويورك من أنه قبل نصيحة بعض الناشطين السياسيين
الأميركيين من أن ذلك التأسيس سيلقى صدى أوسع في الأوساط
الديبلوماسية في نيويورك إذا ما أشار مؤسسو المكتب في دعايتهم إلى
أنهم على صلة وثيقة بعبد الكريم الخطابي. ولا ننسى أيضا ما قاله
الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة من أن الحركات الوطنية في المغرب
العربي كانت بحاجة إلى شهرة الخطابي، ولكنها لم تكن متفقة معه في
آرائه السياسية. وهكذا اكتسبت مصر شهرة أخرى باستضافتها لعبد
الكريم الخطابي.
أما مكانته عند بني وطنه فهي مكانتان: مكانته
في قلوب الشعب وهي مكانة عظيمة، اذ لم يحدث أن امتد في الزمن تقدير
بطل وطني في وجدان المغاربة مثلما استقر احترام هذا الرجل. أما
المكانة الثانية فهي التي تخص بعض الجهات في السلطة، وعناصر من
الحركة الوطنية السياسية الذين كانوا ينظرون إلى عبد الكريم كحاجز
أمام أحلامهم وطموحاتهم، ومن أجل ذلك لم يكنوا له إلا العداء
الصريح حينا والمضمر في أكثر الأحيان. وما زال هؤلاء يحاولون أن
يقدموا هذه الشخصية الوطنية والإنسانية كمجرد زعيم جهوي أو شيخ
قبيلة من دون أن يعرفوا أو ينتبهوا إلى أنهم يرددون مقولة
الاستعمار الفرنسي، وبالتالي يهينون تاريخهم الوطني».
ورداً على سؤال: من أين كان يستقي الخطابي
موارده المادية عندما استقر في مصر، يردّ الباحث الإدريسي: «في
جزيرة لارينيون امتهن الخطابي الزراعة والتجارة، فكانت حياته
المادية رفيعة المستوى. وباستثناء بعض الدعاية الاستعمارية التي
أثرت في بعض الدهماء وغلاة الاستعماريين حظي باحترام وتقدير السكان
الأصليين، وعند الفرنسيين المقدرين لنضال الأمم الأخرى في سبيل
الحرية. أما في القاهرة فخصصت له الحكومة المصرية معاشا محترما،
وكانت تصله مساعدات من البلدان الإسلامية باستثناء المغرب. وقد
علقت إحدى نجلاته على هذه الحقيقة فقالت: أكرمنا الجميع إلا حكومة
بلدنا. وكان ينفق تلك المساعدات على طلبة العلم وعلى التدريبات
العسكرية التي كان يشرف عليها من أجل الإعداد لإعلان الثورة في
أقطار شمال إفريقيا. وفي سنة 1960 حين زار العاهل المغربي الراحل
محمد الخامس القاهرة قام بزيارته في بيته، وأعلمه بأنه قرر أن يخصص
له معاشا بمبلغ قدره ألف جنيه مصري لشخصه 400 جنيه لأخيه امحمد
شهريا من خزينة الدولة المغربية. وبعد ذلك بسنتين، عارض عبد الكريم
الخطابي مضمون الدستور الذي عرضه ملك المغرب، المرحوم الحسن الثاني
على الشعب المغربي. لكون ذلك الدستور، في نظره، كان دستورا ممنوحا
ولم يكن دستورا تعاقديا، حسب المتعارف عليه عالميا في الأنظمة
الدستورية. فحرم الخطابي من معاشه الذي قرره له محمد الخامس، ولذلك
كانت أيامه الأخيرة وأيام أسرته في السنوات الموالية عصيبة من
الناحية المالية. لأن عبد الكريم حين أخبره محمد الخامس بالمعاش
المغربي شكر الجهات التي كانت تقدم له المساعدات وأخبرهم أن الدولة
المغربية تولت مسألة معاشه وأسرته».
وبصدد مسألة عودة رفات الخطابي، الذي دفن في
القاهرة، يقول الإدريسي: «فكرة إعادة الرفات لم تغب عن الذاكرة
المغربية التي سعت وتسعى إلى إبراز تاريخ المغرب، كل المغرب، وليس
تاريخ بعض الفئات أو الجهات فقط. فالمغاربة رغم الظروف التي أشرنا
إليها أعلاه لم يكونوا راضين عن بقاء الخطابي منفيا في حياته. ولم
يسكتوا حين مات طواعية وإنما انتظروا موقف الدولة الرسمي. وللأسف
لم يكن هناك موقف إيجابي، لقد أهمل الخطابي كما أهملت المنطقة
الجغرافية التي انحدر منها. على الرغم من نداءات أفراد من أسرته
ومن شخصيات وكتاب مغاربة على الدوام، تخص إعادة الاعتبار لهذا
الرمز الوطني. لكن من كان بيدهم الحل والعقد لم يستجيبوا لتلك
النداءات والكتابات. حتى جاءت مبادرة هيئة الإنصاف والمصالحة أوائل
شهر تشرين الثاني - نوفمبر - 2004 التي يمكن أن يفهم منها بأنها
تلقت الضوء الأخضر من مستويات عليا في الدولة بشأن عودة الرفات
كجزء من مسلسل المصالحة والتصالح الذي تجري وقائعه في مغرب محمد
السادس».
والسؤال اليوم هل فعلا ستنجز هذه المصالحة في
كليتها أم هي مجرد سيناريو يخضع لظرفية سياسية دولية؟ لا نتمنى
ذلك، لكن التجارب التي مر بها المغرب المستقل والمناورات السياسية
لبعض الجهات النافذة، وبخاصة الإهمال الذي تعرضت له منطقة الريف،
وعدم إنجاز الوعود الكثيرة التي تم التصريح بها، والتخلف غير
المبرر، ومظاهر التهريب، وزراعة المخدرات التي سلطت على منطقة
الشمال، كل هذا يجعلنا ننظر إلى المصالحة بنظرة أخرى غير تلك التي
يروج لها بعض الإعلاميين والسياسيين القدامى والجدد على حد سواء.
ولذلك يمكننا القول إن الذين يأملون المصالحة الحقيقية ينتظرون
تأكيدات ملكية. أما دون ذلك فيمكن أن يبقى مجرد سياسة سياسوية.
|