العدد

165 :

الخميس, نوفمبر 20, 2008 - 10:31 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 
 

السلام الغازي: لا مصالحة من وراء حجاب

 

الباحث المغربي عبد السلام الغازي عضو مؤسس لـ«مجموعة عبد الكريم الخطابي للبحث» يحاول في لقائه مع«النور» تسليط الضوء على السياق الاجتماعي والسياسي الذي ولدت في رحمه حركة الأمير الخطابي الإصلاحية، كما يعرّف بطبيعة الإضافة النوعية التي أضافها الخطابي إلى بلده المغرب، وبالخصوص إلى منطقة الريف:

 

«لقد قيل الكثير عن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي وبخاصة من العالم الخارجي الذي تابع أفكار هذا الرجل المنحدر من منطقة كانت لا تحكمها إلا حالة الثأر و«السيبة» (الفوضى). اذ لم يكن للسلطة المركزية دور مؤثر في الشمال المغربي، وفي منطقة الريف بخاصة، حيث كانت الفوضى شديدة الوقع على الأهالي، إذ كانت كل قبيلة تريد أن تأخذ لنفسها الزعامة والدفاع عن حرمتها بكل الطرق، وإن أدى ذلك إلى السلب والنهب.

 

في خضم هذه الأحداث نشأ عبد الكريم في عائلة ذات نفوذ، فأبوه كان قاضيا في قبيلته «بني ورياغل»، وترعرع في بيت علم ومعرفة، ورأى بأم عينه كيف كان الاستعمار الإسباني يحتل بقعة بعد أخرى وكيف كان دور بعض الأبطال عندما قاوموا هذا الاستعمار ومنهم الشهيد الشريف محمد أمزيان. وإذا أردنا تصوير منطقة الريف بمنظار الفكر السوسيولوجي، ندرك أن المنطقة كانت عبارة عن منطقة جرداء لا مدرسة فيها ولا مستشفى ولا طرق ولا أي شيء ينم عن مظاهر أو تمظهرات الدولة الحديثة. وأول عمل قام به الخطابي تمثل في تحقيق الأمن والأمان الاجتماعيين طبقا لقوله تعالى «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف». وكانت أفكاره مستوحاة من سيرة النبي (ص)، وأهدافه تتمثل في التأسيس والبناء. وبهذا المنهج استطاع أن يؤلف بين الإخوة الأعداء. وأقسم معهم على المصحف ألا ثأر ولا ضغينة ولا تقاطع منذ اليوم. وهو القائل: دعونا من كل هذا وذاك، وعلينا أن نتوجه إلى أولئك الأعداء الذين يريدون محو أمة. إذنْ، لم يكن عبد الكريم يضمر في نفسه رغبة سلطانية، وإنما كان يريد تحرير بلاده بعدما خضعت للاتفاقيات الاستعمارية».

 

وعن أهداف الخطابي على المستوى السياسي، يوضح الباحث الغازي: «كان الخطابي في مخططه الكبير والاستراتيجي يهدف إلى تحرير البلاد من الاستعمار. ولذا يمكن تسميته بالرجل المبدع في إنشاء الدولة الحديثة التي كانت ستمتد في الشمال الإفريقي كله، ومن هنا يمكن تفسير قول عدوه اللدود المارشال الفرنسي ليوطي: لا يمكن لنا أن نسمح بإقامة دولة إسلامية في الضفة الجنوبية. ويحق لنا أن نتساءل كيف أن الرجل، وهو يخوض غمار حرب، كان يفكر في تأسيس هياكل دولة عصرية؟ وهل كانت معه قوة تساعده في هذا أم كان يعتمد على فكره وثلة من رفاقه؟ ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى التأمل في فكر هذا الرجل كي نستنبط منه الدروس المفيدة لهذا الوطن، لأن إرادته كانت ترمي إلى تحرير كل المغرب، وليس المغرب فقط، بل الشمال الإفريقي كله، إذ كانت له مراسلات ومبعوثون إلى الجزائر. وهناك رسالة خطية منه إلى الجزائريين يطلب فيها بعثة من المعلمين إلى منطقة الريف. ففي خضم الحرب كان يؤسس المدارس ويحارب الأمية وينشئ الكتاتيب داخل المساجد والزوايا وغير ذلك. كما أنه يعد من الأوائل الذين أسندوا الأمن والإعلام للمرأة. فالرجل، بعبارة موجزة، كان سابقا لعصره بأشواط كثيرة، ولذا كانت تصده عقبات كثيرة من بني وطنه. فهو بالمناسبة لم يحارب العدو الظاهر، وإنما وجد نفسه في أتون الحرب يخوض حربا من نوع آخر مع بني جلدته.

 

ويستطرد الغازي: «إذا كنا اليوم نتحدث عن الخطابي فإننا نريد أن نحيي هذا الجزء المهم من بلدنا الذي نسعى إلى تنميته كما كان يرجوه. فالخطابي كان يعشق الحرية ومظاهر التقدم التي كانت تعرفها الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. ويمكن أن نقرر بسهولة أن أصحاب النظريات الاستعمارية وعوا خطورة فكره جيدا ولما كان يرمي إليه. ولذلك تحالفت ضده كل من فرنسا وإسبانيا وحتى القوة الضاربة لأميركا المتمثلة في طياريها الذين كانوا «يقنبلون» الريف، والأمر نفسه يتعلق بألمانيا، ومازالت شواهدهم قائمة إلى اليوم حيث ما زالت معالم هذا الدمار وحجم القنابل التي كانت تستهدف كل من يدب على الأرض، اذ كان شعارها: الأرض المحروقة. إذن، فالخطابي سيظل في تصورنا مثلا يحتذى به لكل من ينشد الحرية والمحبة والسلام».

 

وعن اعادة رفاته إلى وطنه وتنمية منطقة الريف. يجيب الغازي: «إذا كنا نفكر اليوم، بشكل جدي في المصالحة وطي صفحة الماضي فعلينا أن نظهر ونبرز الحقائق كما هي لأبنائنا، فالذي لا يعرف جذوره ولا يعرف ملابسات تاريخه لا يمكن له أن يبني مستقبل الأجيال المقبلة. فبالنظر إلى ما كان يتطلع إليه الخطابي من عزة وكرامة لمواطنيه وهو ما كان يعمل من أجله لم يتحقق بعد على أرض الواقع. إذن، علينا أولا أن نكشف عن الأسباب والظروف والحقائق التي كانت وراء استعمار المغرب ومن المسؤول عنه وكيف حدث ذلك. ثانيا، هل يمكن أن نطمس وجه التاريخ اليوم دون أن نعترف بالقيمة الحقيقية للخطابي في هذا البلد ومساهمته في تنمية بلده، فضلا عن أن المصالحة لا تكون من وراء حجاب، وإذا كنا حقا نريد المصالحة علينا أن نعترف بالأخطاء ونقيمها، وأيضا أن نبرز عمل هذا الرجل وما قام به من أجل وطنه لا من أجل جاه أو سلطان. ثالثا، منطقة الريف ما زالت تصارع بؤسها. فكيف لمنطقة عرفها العالم بهذا الحجم الكبير من الكفاح والتضحيات لا تتوفر إلى حد الآن على معاهد وجامعات ومستشفيات مختصة وطرق وما إلى ذلك... إضافة إلى انعدام البنية التحتية. ما تركه الاستعمار لم يضف إليه شيء على رغم أن معاول التحرير للاستقلال انطلقت من هذه المنطقة أيضا. فهل هذه المنطقة خلقت للحروب والخراب والدمار وليس من حقها أن تعيش كباقي أجزاء الوطن الأخرى؟ فأبناء هذه المنطقة رحلوا إلى أوروبا عن قصد أو بغير قصد وهم الآن يعيشون اغترابا وطنيا هناك، وعلاقتهم بوطنهم يمكن اختزالها في الجوازات التي يحملونها فقط. وحتى قيمة ذلك العَرَق والعمل الذي يبذلونه هناك يذهب إلى جهات أخرى. علينا أن نتساءل لماذا كل هذا؟ أليسوا مغاربة؟ أليس لهم الحق في العيش الكريم في وطنهم؟ قبل أن نفكر في عودة هذا الرفات إلى وطنها علينا أن نصالح أولا المنطقة التي هي الحصن الحصين لهذا البلد، فمنها وعن طريقها اكتسب المغرب عزته التي يتبوأ بها الآن بين الشعوب. وإذا كان هناك إنصاف، علينا أن نختار من يستطيع أن يحقق هذا الإنصاف على أرض الواقع وليس من وراء حجاب. بعبارة أدق، إن التفكير في عودة هذا الرمز إلى وطنه، في نظرنا، بعيد المنال اليوم إذا بقي وضع المنطقة على ما هو عليه الآن».

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع