العدد

165 :

الجمعة, يوليو 4, 2008 - 5:13 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

كارثة «تسونامي»... عندما يغضب المحيط!

 

أحمد محمود التلاوي *

 

فجر يوم الاحد الموافق 26 كانون الاول - ديسمبر - 2004 استيقظ العالم على وقع كارثة طبيعية وانسانية رهيبة، اذ زلزلت الارض زلزالها واخرجت مياه المحيط اثقالها. واشارت التقارير الاولية الواردة صبيحة يوم الفجيعة الكبرى الى ان زلزالا مدمرا قد وقع قبالة السواحل الغربية لجزيرة سومطرة الاندونيسية بقوة 8.9 درجة على مقياس ريختر. وافادت المراكز العلمية وبخاصة وكالة المسح الجيولوجي الاميركية الى ان مركز الزلزال يقع على مسافة 1620 كيلومترا شمال غرب جاكرتا في عرض البحر وعلى مسافة حوالي  40كيلومترا من قاع المحيط الهندي.

وهذا الزلزال هو الرئيسي ضمن مجموعة من الزلازل التي ضربت مناطق واسعة من جنوب شرقي آسيا وحوض المحيط الهندي وخليج السنغال فجر ذلك اليوم.

امتدت دائرة الصدمة الارتدادية للزلزال والهزات التابعة آلاف الكيلومترات وطالت اجزاء من كل من بنغلاديش سريلانكا والهند وتايلاند وبورما والمالديف وكذلك ماليزيا الى جانب اندونيسيا المتضرر الاكبر بطبيعة الحال، وامتدت آثاره الى سواحل آسيا الغربية وشرق افريقيا في كل من سلطنة عمان وتنزانيا وسيشل وكينيا والصومال. وادت الموجات الزلزالية الناتجة عن الهزات الارضية المدمرة التي اجتاحت هذه المناطق الى حدوث موجات هائلة من المد المائي تعرف باسم ظاهرة «تسونامي». ووصل ارتفاع الموج على سواحل هذه البلدان الى حوالى 30 مترا وتحركت على دفعات متوالية ذات قوة هائلة أدت الى تدمير المناطق الساحلية التي وقعت في دائرة الزلزال تدميرا كاملا مع مقتل اكثر من 200 الف نسمة وتشريد ما يزيد على مليون انسان.

 

أمواج «تسونامي»

تعرف ظاهرة أمواج «تسونامي» على انها عبارة عن سلسلة من امواج البحر السريعة والقوية التي تنتج عن الزلازل او ثورات البراكين أو سقوط الشهب من الفضاء الخارجي في البحار والمحيطات. ويكثر حدوث ظاهرة امواج «تسونامي» او موجات المد المائي العالية في المحيط الهادي حيث يوجد اكثر من نصف براكين العالم. وعندما تقع تلك الظاهرة فان المناطق الساحلية وحتى عمق خمسة كيلو مترات داخل اليابسة - كما هي الحال مع كارثة جنوب شرق اسيا الاخيرة - تتعرض من دون سابق انذار في بعض الاحيان لموجات بالغة القوة، ويمكن لتلك الامواج ان تحمل صخورا من حوائط صد الامواج وزن الواحدة منها عشرون طنا وان تقذف بها لمسافة عشرين مترا.

وهناك فارق جوهري بين امواج «تسونامي» وامواج البحر العادية، هو ان طاقة الاولى تستمد من حركة الارض وليس من الرياح. ويصل طول موجة «تسونامي» (أي المسافة بين قمة الموجة وقاعها) الى حوالي مئة كيلومتر، كما ان الفارق الزمني بين الموجة والموجة قد يصل الى حوالي ساعة كاملة.

وفى المحيط الهادي تصل سرعة امواج «تسونامي» الى 800 كيلومتر في الساعة. ويعني ذلك ان إذا وقع زلزال في مدينة لوس انجليس الاميركية فان امواج «تسونامي» تصل الى العاصمة اليابانية طوكيو في زمن اقل مما تستغرق الرحلة بين المدينتيين بطائرة نفاثة. وعندما تقترب موجات «تسونامي» من الشاطىء فان سرعتها تقل وتبدو كموجة عادية لكنها تتمتع بقوة شديدة للغاية نتيجة عزم الدفع الاولي لها الذي يعطيها قابلية للمزيد من التمدد والاندفاع لمسافات طويلة. وكلما قل عمق المياه تحت موجات «تسونامي» مع اقترابها من الشاطىء فان سرعتها تقل ولكن ارتفاعها يزداد. ومن فرط شدة تلك الامواج عندما تضرب الشواطىء فانها تكون قادرة على تجريف رمال الشواطىء واقتلاع الاشجار بل وتدمير مدن بأكملها.

وقد انتبه العلماء من زمن الى مخاطر هذه الظاهرة وكانت كل من اليابان والولايات المتحدة الدولتين الاكثر اهتماما في هذا الشأن لاسباب عدة:

1- ان كلا من اليابان والولايات المتحدة هما الدولتان صاحبتا الميزانية الاكبر في العالم (7 تريليون للاولى ونحو 11 تريليون للثانية). كذلك فان كلتيهما هما صاحبتا المستوى الاعلى في العالم في التقدم العلمي.

2- وقوع كل من اليابان والولايات المتحدة في مناطق زلزالية نشطة حيث تقع السواحل الغربية للولايات المتحدة وكذلك الجزر اليابانية كلها ضمن النطاق الجيولوجي المسمى بحلقة النار المحيطة بحوض المحيط الهادي والتى تقع اندونيسيا بالمناسبة على حواف الصفائح الارضية المكونة جيولوجيا لها وهي المناطق الانشط زلزاليا وبركانيا في العالم.

3- واخيرا فان كلا من هاتين الدولتين تملك نطاقات واسعة من السواحل الواقعة على المحيطيين الاطلنطي بالنسبة للولايات المتحدة والهادي بالنسبة لليابان.

لذلك عملت الولايات المتحدة على انشاء محطة للرصد والانذار المبكر في جزر هاواي الاميركية في المحيط الهادي للتحذير من اي ظواهر شبيهة بما جرى في جنوب شرقي اسيا مؤخرا واستباق اية موجات للمد المائي والابلاغ عنها قبل وصولها الى السواحل الغربية للولايات المتحدة وامكان اخلاء سكان هذه السواحل مبكرا لتلافي الخسائر البشرية التي قد تنتج عنها.

وبالفعل التقطت هذه المحطة صورا واشارات سيزمية اثر وقوع زلزال سومطرة لموجات «تسونامي». ولكن نظرا الى ان كلا من الهند واندونيسيا وغيرهما من البلدان التي تعرضت للكارثة ليست اعضاء في برنامج الانذار المبكر لم يتم ابلاغها على رغم ان المحطة الاميركية قد رصدتها قبل نحو 54 دقيقة من وصولها الى السواحل الهندية والسيرلانكية وجزر المالديف واندونيسيا!

 

اليابان

اما في اليابان ونتيجة لوقوعها في انشط مناطق العالم زلزاليا فان العلماء هناك يعملون جاهدين على رسم خريطة جيولوجية دقيقة للشكل والطبيعة الاركيولوجية للمناطق المحيطة باليابان وسواحلها لا سيما تلك الواقعة على المحيط الهادي.

وفي صيف العام 2002 خرجت مجلة «ساينس» العلمية المحكمة بتقرير عن دراسة قام بها علماء يابانيون اعلنوا اكتشافهم لوجود خلل في قاع البحر قبالة الساحل الياباني الشرقي والجنوبي الشرقي قد يؤدي في المستقبل الى اطلاق موجات مد بحري هائلة او «تسونامي». ويوجد هذا الخلل او الصدع على بعد كيلومترات عدة من اليابسة، ويعتقد انه كان السبب وراء الزلزال الكبير الذي ضرب اليابان العام 1944 والذي بلغت قوته 8.1 درجة على مقياس ريختر.

وفي هذا الاطار قال العالم اليابانى جن - اوه بارك في مركز العلوم البحرية والتكنولوجية الياباني أن أي زلزال يحصل قرب الخلل المذكور سيهدد المدن المطلة على الساحل الياباني. ويؤكد بيل ماكغواير مدير «مركز بينفيلد جريج» للأبحاث في بريطانيا «ان الموجة البحرية اذا وقعت قبالة السواحل اليابانية لن يسبقها أي تحذير الا قبل دقائق عدة». واضاف ان معظم اليابانيين يعيشون بالقرب من المناطق الساحلية وسيكون من المستحيل ترحيلهم خلال دقائق.

ورأى العلماء ان هذا الاكتشاف يزيد من احتمال حدوث الموجات البحرية الشديدة الارتفاع في بلد يعاني بطبيعته الجيولوجية من حدوث عدد كبير من هذه الموجات.

وقد جرى كشف هذا الصدع عبر اسلوب التصوير الارتدادي للزلازل. ويصعب في العادة اكتشاف الصدع عندما يكون في قيعان البحار والمحيطات التي لا تزال جوانب كثيرة منها صعبة الفهم. وقد تبقى الصدوع البحرية غير ظاهرة في قاع المحيط او قد تكون مغطاة بالترسبات البحرية.

ويعتقد العلماء في مركز العلوم البحرية والتكنولوجية الياباني ان الخلل الذي اكتشفوه قد يكون السبب وراء ليس فقط زلزال العام 1944 بل الزلزال الذي ضرب اليابان العام 2000 ايضا والذي وصلت قوته الى حوالى 8.3 درجة على مقياس ريختر.

وبالفعل لم يكد يمر عام ونيف مع هذا الاكتشاف حتى تعرضت جزيرة هوكايدو اليابانية الشمالية لزلزال قوى بلغت قوته ثماني درجات على مقياس ريختر في 26 أيلول - سبتمبر - 2003، واسفر عن مقتل شخص واصابة ما لا يقل عن 230. وكان الزلزال من نوعية الزلازل الموجية اذ وقع على ثلاث موجات. وتعاملت الحكومة اليابانية مع الموقف بسرعة فأمرت باخلاء فورى لـ41 الف شخص من المنطقة التى ضربها الزلزال بعد حدوث الموجة التابعة الثالثة تلافيا لحدوث موجات مد عالية «تسونامي» بسبب وقوع الزلزال على بعد حوالى مئة كيلو متر في مياه المحيط الهادي شرق هوكايدو بالقرب من الصدع المذكور.

وحذرت السلطات المواطنين آنذاك من الاتجاه الى المناطق  الساحلية شرق هوكايدو خوفا من حدوث ظاهرة ارتفاع الموج ارتفاعا غير طبيعى كأثر متأخر للزلزال. وقد تبع زلزال هوكايدو هذا موجات «تسونامي» كانت اولاها في ميناء كوشيرو، ووصل ارتفاع الموج فيها الى حوالى المتر ونصف المتر تقريباً.

 

* مركز الدراسات الآسيوية ـ جامعة القاهرة

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع