|
الزلزال الاقتصادي الذي هز جنوب شرقي آسيا قبل «تسونامي»
فؤاد نهرا
*

يتكلم الجميع اليوم عن الكارثة الطبيعية التي ألمت بدول جنوب شرق
آسيا ولاسيما إقليم اتشه وجواره، وهي كارثة تميزت بآثارها
الانسانية الجسيمة، وادت الى افقار اكثر من مليوني شخص. لكن ثمة
زلزالاً اقتصادياً سبق الزلزال الارضي في المنطقة نفسها، والم
بقدرات بلدانها الاقتصادية، فخلف المزيد من الفقر والبطالة. ولم
يخل ايضا من الاثر على الوضع الصحي للشرائح المهمشة التي لم تكن
لتتمتع بضمان صحي ملائم.
وفي حين تكاثرت المقالات الصحافية التي اشادت بالنموذج الآسيوي
للتنمية، الى حد قول البعض في اوروبا ان دول المنطقة كادت تمثل
خطراً محدقاً بمكانة الاقتصاديات الاوروبية، وبوضع اليد العاملة
فيها التي تعرضت لمساوئ المنافسة الاسيوية، جاءت الازمة لتبدل من
مجرى التقييم والتحليل الاقتصاديين.
اما واقع الامر فهو ان النظام الرأسمالي العالمي الراهن لم يعد
معتمدا على التصنيع وحده، وإنما على المضاربة في الاسواق المالية
والتي تخضع اليوم لمنطق مختلف تماما عن منطق التراكم البناء
للرأسمال المنتج. واستطاع نظام المضاربة الراهن أن يضاعف من آثار
الاخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها دول المنطقة في سياساتها
المالية.
تعتبر منطقة جنوبي شرقي آسيا متنوعة من حيث شعوبها ومن حيث تاريخ
دولها، وكذلك من حيث طبيعة انظمتها الاقتصادية. فهي تتضمن:
-
دولا طليعية مثل تايوان وهونغ كونغ
كانت سباقة الى الاعتماد على التجربة الاقتصادية الكورية والتي
محورها الاندماج في النظام الدولي لتقسيم العمل والى جذب
الاستثمارات المتعددة الجنسيات.
-
دولا التحقت بتجارب الاولى وهي
سنغافورة وماليزيا، مع تفاوت بين الاولى التي تقدمت على الاخيرة
حتى اصبح معظم صادراتها من التكنولوجيا الرفيعة المستوى.
-
دولا شكلت الدائرة الثالثة وهي
تايلاند واندونيسيا والفيليبين وما زالت منتجة للصناعات الخفيفة
النسيجية والغذائية ومصدرة للمواد الاولية، حتى بداية تسعينات
القرن الماضي حين شهدت بدايات النقلة الى مستوى ارفع من الانتاج.
-
دولا مثل فيتنام كانت خاضعة لاقتصاد
اشتراكي منغلق على هذا المحيط فشهدت انفتاحا وصارت تنتفع من تدفق
جديد للاستثمار الاقليمي.
-
دولا شهدت انغلاقا سياسياً وعزلة
دولية متزايدة مثل بورما التي تحكمها نخبة عسكرية اقرت العام 1997
العودة الى سياسة الاكتفاء الذاتي وحظرت استيراد الكماليات.
نالت الازمة المالية الدول الاكثر تطوراً وانفتاحاً على الاسواق
المالية، في حين ان اثرها كان اقل حدة على الانظمة الاقتصادية
الاكثر فقراً والاقل انفتاحاً. ومع تنوع المنطقة، نحصر اهتمامنا
بعدد من الدول الاكثر انفتاحا ونموا فيها، ونتناول ثلاثة امور هي:
-
نموذج التنمية المتبع والذي اثار
اعجاب الكثير من الاقتصاديين الاوروبيين.
-
تطورات الازمة واسبابها الاقتصادية.
-
اثار الازمة الاقتصادية والاجتماعية.
النموذج التنموي الشرق آسيوي
كادت التحاليل الاقتصادية منذ ثمانينات القرن الماضي، أن تجمع على
تقويمها الايجابي للتجارب التنموية لدول جنوب شرق آسيا. وشاع في
الصحافة الاقتصادية تعبيرا التنائن والنمور. فالتنائن هي الدول
الاسيوية الاولى بعد اليابان التي شهدت ما سمي بالإقلاع الاقتصادي،
وهي كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ. أما النمور فهي الدول التي
التحقت بها منذ منتصف الثمانينات وأهمها تايلاند وسنغافورة
وماليزيا واندونيسيا.
أثارت هذه التجارب جدالاً حاداً داخل المدارس الفكرية الاشتراكية،
لأنها قدمت الدليل أن التجارب الاقتصادية الليبرالية، المبنية على
الاستغلال المفرط للطبقة العاملة، أفرزت بنى صناعية متينة قادرة
على منافسة المنتجات الأوروبية والأميركية. وشاعت لدى أصحاب
النظريات الاشتراكية في السبعينات والثمانينات فكرة أن هذا النموذج
لا يؤدي سوى الى مزيد من التبعية، بل الى تجميد مسار التنمية
الاقتصادية. اما الحجج التي استندت اليها هذه الفكرة فنوجز بعضها
كما يلي:
1-
ان رأس المال الأجنبي، ولاسيما
المتعدد الجنسيات، يقضي على ديناميكية رأس المال المنتج المحلي.
2-
انه لا يتراكم أصلا في مصلحة الدولة
النامية التي تستضيفه، وإنما ينفد ثروات وطاقات هذه الأخيرة ليعيد
الربح الى الدولة الام.
3-
ان استغلال العمال في الدولة النامية
يرسخ اسس التبادل غير المتكافئ لمصلحة المستهلك الاوروبي أو
الأميركي.
غير ان المفكرين الاقتصاديين الاشتراكيين أظهروا ارتباكهم منذ
بداية الثمانينات عندما استخلصوا، من مشاهداتهم العيانية، أن نموذج
التنمية الرأسمالي الحاد، والمبني على رأس المال المتعدد الجنسيات،
مكّن دول شرقي آسيا من تحقيق معدلات مرتفعة من التنمية. ويذكر هنا
ما جاء في كتاب باتريك تيسييه وبيار سالاما بعنوان «التصنيع في ظل
التخلف»، والذي اعتبر منعطفا في التحليل الاقتصادي. وجاء في الكتاب
ان دول شرقي آسيا، مثل كوريا الجنوبية، اعتمدت بادئ الامر على
نموذج التنمية المعتمدة على راس المال المحلي وعلى الحماية
الجمركية والمالية. واطلق على هذا النموذج تسمية التصنيع من خلال
تبديل الواردات
(industrialisation par substitution d_importations)
لكن هذه التجربة كشفت عن مواطن ضعفها
وأدت إلى تفاقم العجز المالي والى معدلات مرتفعة من التضخم، ما دفع
الدولة الكورية الجنوبية إلى الانفتاح على رأس المال المتعدد
الجنسيات، فرضيت ان تلعب دور المصنّع لحلقات جزئية من دورة التصنيع
التي تعتمدها هذه الشركات، وان تندرج في إطار ما سمي بالتقسيم
الدولي وغير المتكافئ للعمل (division internationale
inégale du travail)، لصالح رأس
المال العالمي.
أما التحليل الاقتصادي الأكثر دقة لهذا النموذج فهو ذلك الذي جاء
به اقتصاديو مدرسة الضبط
(école de la régulation). تتلخص
اطروحة هؤلاء الاساسية بما يلي: ان النظام الرأسمالي العالمي يتميز
بنظام تراكمي (régime d_accumulation)
لا يكتب له النجاح الا اذا اعتمد على
نظام ضبط اقتصادي (système de régulation)
ونظام الضبط الرأسمالي العالمي الخاص
بالستينات والسبعينات هو النظام الفوردي ( fordisme)،
المبني على الفصل بين العمل ذي الكفاءة العالية (الادارة والهندسة
والبحث) من جهة، وبين العمل اليدوي الذي لا يحتاج سوى الى درجة
متدنية من الكفاءة. ففي النظام الرأسمالي العالمي للستينات تحققت
مسيرة تدويل نظام الضبط الفوردي ( internationalisation du
fordisme)، بحيث استطاعت الشركات
الأوروبية والأميركية واليابانية أن تصدّر الى الدول النامية حلقات
الإنتاج التي لا تتطلب أية كفاءة فنية.
واطلقت دول شرق وجنوبي شرقي آسيا مسارها التنموي عندما رضيت أن
تكون الحلقة الأخيرة في الدورة الإنتاجية لرأس المال المتعدد
الجنسيات، فاعتمدت على العمل ذي الكفاءة المتدنية، وكذلك على
استغلاله ايما استغلال. ومن امثلة الاستغلال نذكر اعتماد تلك
الشركات على عمل النساء والأطفال ومهاجري دول الجوار في مقابل أجور
متدنية، لتنهك هؤلاء، ثم لتصرفهم وهم منهكون جسديا وقد أصابهم
العجز والمرض.
بلغت دول شرقي آسيا تطوراً جديداً في التنمية لتسمية التصنيع من
خلال تبديل الصادرات
(industrialisation par substitution d_exportations)،
فانتقلت من المشاركة في أدنى حلقات الدورة الصناعية، إلى الاهتمام
بالصناعات التي تتطلب مستوى أعلى من الكفاءة، ثم إلى تدرج سلم
الكفاءات المهنية، حتى أصبحت مصدرة لمنتجات كهربائية والكترونية.
وعندما ارتفع مستوى المعيشة لدى تنائن آسيا الشرقية، صدّرت هذه
الأخيرة الحلقة الأقل كفاءة والأدنى مستوى من العمل إلى محيطها
الآسيوي، فتبعتها النمور التي عرفت الأطوار نفسها مع فارق زمني
قدره زهاء عقدين. لقد تدرج الكثير من دول جنوب شرقي آسيا مثل
سنغافورة وماليزيا وتايلاند مستويات المهارة الفنية، لكنها ظلت
بعيدة عما بلغته كوريا الجنوبية.
وتدلنا بعض الأرقام على مدى تطور صناعات جنوبي شرقي آسيا (انظر
الجدل المرفق).
لكن ما أثار الجدال الحاد لدى الاقتصاديين هو النظام السياسي الذي
اعتمدت عليه هذه التجارب الاقتصادية: فمعظم الدول الآسيوية التي
اتبعت نموذج التصنيع في ظل الاستثمار الأجنبي المتعدد الجنسيات
خضعت لأنظمة قمعية دكتاتورية، أطلق عليها تسمية الأنظمة الفاشية.
ففي حين أن الدكتاتوريات الاشتراكية أطلقت شعار التوزيع العادل
للثروات لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا واستغلالا، راهنت هذه الأنظمة
اليمينية على مبادئ مناقضة تماما، تدعو الى دعم الرأسمال والى رفع
الحماية عن الطبقة العاملة، بل الى تيسير استغلالها والى حرمانها
من حق ممارسة العمل النقابي والسياسي المستقل. وقد عرفت سنغافورة
واندونيسيا اشد أنواع القمع السياسي منذ السبعينات.
وذهب بعض المفكرين المحافظين امثال صامويل هانتنغتون الى حد القول
ان على الدول النامية ان تختار بين التنمية والديمقراطية والعدالة،
وان شروط الاولى لا تتحقق الا في ظل انظمة قمعية وغير عادلة تدعم
الرأسمال المسيطر وتطلق يده لتمنحه حرية استغلال اليد العاملة.
من النمو المطرد الى الازمة والانحسار
زايد البعض الآخر على التقييم الايجابي الذي قدمه الاقتصاديون اذ
راحوا يروجون للقيم الآسيوية المتماشية مع التنمية، ويتكلمون عن
الروح الآسيوية وعن مزاياها مقارنة بالذهنيات الثقافية الأخرى.
وندر من توقع ان النظام العالمي الجديد المبني على المضاربة
المالية قادر على زعزعته وعلى إلحاق الضرر بتوازنه الاقتصادي.
أتت أزمة صيف 1997 مفاجئة وهي قادمة من الحلقة الأضعف. انطلقت
الأزمة من تايلاند في الثاني من تموز - يوليو - 1997، عندما بدأ
أصحاب الأموال يتلاعبون بالعملة التايلاندية، ويهجرونها بعد ان
ارتفع سعر صرف الدولار وبعدما أدى ذلك الى إضعاف مستوى صادرات هذه
الدولة، وانخفاض مستوى الاستثمار المنتج.
رد البنك المركزي التايلاندي بصرف أربع مليارات من الدولارات من
اجل تفادي مسار انخفاضي للعملة التايلاندية. ثم اتخذ قرار رفع
مستوى الادخار داخل المصارف والمؤسسات المالية ما أدى بالعديد منها
الى الإفلاس، وأدى ذلك الى خروج نسبة هائلة من رؤوس الأموال الى
الخارج.
أما المرحلة التالية للأزمة، فتمثلت في قرار خفض قيمة البهت
التايلاندي امام الدولار، بعد ان كانت العملات المحلية لدول
المنطقة مرتبطة بعلاقة تكافؤ مع الدولار وانتشرت الأزمة الى الدول
المجاورة ومنها:
-
ماليزيا التي اضطرت الى خفض سعر صرف
عملتها، ثم الى مواجهة ظاهرة خروج نسبة من رأس المال الأجنبي، ثم
الى التصدي لظاهرة إفلاس عدد من مؤسساتها المالية.
-
اندونيسيا التي تزعزع فيها القطاع
المالي بالقدر نفسه، والتي اضطرت إلى خفض سعر صرف الروبية أمام
الدولار. وتأثرت الشركات المنتجة المرتبطة بالتجارة الخارجية الى
حد بعيد، بسبب انكشاف ثغرات النظام القانوني الاندونيسي للشركات
التجارية. ثم ما لبثت عدوى الأزمة ان انتقلت الى كوريا الجنوبية
واليابان لاسباب منها:
1-
إن لكوريا واليابان استثمارات كثيفة
في هذه المنطقة تأثرت بالهزة المالية التي ألحقت بها.
2-
إن لرأسماليي المنطقة ديون لدى هاتين
الدولتين وقد عجز العديد منهم عن تسديد ديونهم.
3-
إن لديهم سندات يابانية كما إن هذه
الأخيرة تمتلك سندات لدول المنطقة.
وأخيراً انتقلت العدوى الى دول خارجة عن المنطقة الاقتصادية مثل
روسيا الا انها اكثر ارتباطا باليابان وكوريا الجنوبية. لكن هذا
الامر يتطلب دراسة منفصلة.
وخلفت هذه الأزمة، التي انتشرت بسرعة انتشار الزلزال، آثاراً
اجتماعية آنية وأهمها إفقار شرائح واسعة من الطبقة الوسطى التي
نشأت بفضل سياسات التنمية المتبعة منذ أكثر من ثلاثة عقود:
-
لقد أدى الانخفاض المفاجئ للعملات
المحلية إلى تدهور القيمة الشرائية للأجور والرواتب، وبالتالي الى
هبوط مستوى معيشة المستأجرين لدى القطاعين العام والخاص الى ما يقل
عن نصف المستوى الذي عرفته قبل تموز - يوليو - 1997، وذلك بحلول
الاشهر القليلة التي تلت الزلزال الاقتصادي.
-
ثم إن إفلاس المؤسسات المالية
وانقراض السياسات المالية أديا الى تردّ للقطاعات الإنتاجية، وأدى
ذلك بدوره الى ارتفاع قياسي في معدلات البطالة.
وتثير هذه الظاهرة تساؤلا حول جدوى التضحيات التي قدمتها هذه
المنطقة من اجل اللحاق بالدول المصنعة. اذ إن رياح الأسواق المالية
استطاعت أن تدمر في بضع أسابيع ما بنته السياسات التنموية
الإنتاجية خلال أكثر من ثلاثين عاما. فما السبيل الى تفسير هذه
الظاهرة المقلقة؟
حول اسباب الازمة
تتطلب الإجابة على هذا السؤال تحليلا على ثلاثة مستويات:
-
مستوى النظام الرأسمالي العالمي ككل
الذي يطغى فيه الرأسمال المالي على الرأسمال الإنتاجي.
-
مستوى التجربة التنموية السائدة
إقليميا التي سميت بتجربة التصنيع عن طريق تبديل الصادرات.
-
مستوى التناقضات الخاصة بكل دولة من
دول المنطقة.
يجمع المحللون الاقتصاديون على اعتبار طغيان رأس المال المالي على
رأس المال المنتج من أهم خصائص النظام العالمي الراهن. لقد قفزت
القيمة الإجمالية لرؤوس الأموال المتداولة في بورصة نيو يورك وحدها
من اقل من 100 مليار الدولار عام 1980 الى أكثر من 7000 مليار
دولار للعام 2001 ، في حين ان الناتج الإجمالي الدولي لم يعرف
التطور نفسه. واتفقوا على ان قواعد اللعبة الاقتصادية قد تبدلت منذ
بداية الثمانينات. فالثروات الخاصة للمئتي اسرة الاكثر ثراء في
العالم أصبحت تتجاوز بأضعاف مضاعفة الناتج المحلي الاجمالي للبلدان
الاكثر فقراً.
ويتميز رأس المال، المهيمن عالمياً منذ التسعينات، بخصائص عدة منها:
1-
المستوى العالي من التركز والانحصار
في أيد قليلة.
2-
قفزه فوق القوميات بحيث لم يعد يعتمد
على مركز قومي كما كان الحال في الستينات والسبعينات.
3-
طغيان شكله المالي على أشكاله الأخرى.
4-
سرعة تداوله وتنقله بحيث يستطيع ان
ينتقل بقطع النظر من عاصمة الى سواها.
5-
قدرته على توزيع دوراته المختلفة
مكانياً بحيث يبني حلقة الانتاج على حلقات متمركزة في بلدان مختلفة.
يبقى ان التنظير حول هيمنة رأس المال المالي على الاقتصاد ليس
بجديد وانما يعود الى بدايات القرن العشرين عندما صدر كتاب «رأس
المال المالي» للاقتصادي الماركسي الالماني رودولف هلفردينغ الذي
توقع ان يشهد النظام الراسمالي نقلة نوعية من طور المنافسة الحرة
وسيطرة رأس المال الصناعي المنتج الى طور الراسمال الاحتكاري وفيه
يطغى رأس المال المالي، وتتبدل قواعد اللعبة.
وكان لينين قد عَقّب عليه في كتاب «الامبريالية أعلى مراحل
الرأسمالية» اذ بين ان الرأسمالية صارت ترزح تحت اقدام رأس المال
المالي الاحتكاري بحيث:
-
اصبح راس المال الصناعي يخضع لرأس
المال المالي.
-
شهد هذا الاخير تركزا على صعيد الدول
الاوربية الكبرى.
-
تميزت الرأسمالية بطابعها الطفيلي
بعد ان كانت محرك الانتاجية والتطور التقاني.
وطال الجدال حتى السبعينات حول هذه الأطروحات واستطاع الاقتصاديون
ان يثبتوا ان النظام الرأسمالي الاحتكاري لم يكن طفيلياً، وانما
رافقه تطور إنتاجي وتقاني مطرد. يبقى ان المصطلحات اللينينية كشفت
عن اهميتها بالنسبة الى الفكر الاقتصادي النقدي، وأن ميزة الطور
الراهن للرأسمالية تتلخص في الطلاق النسبي الذي يحصل في العديد من
الاقتصاديات بين رأس المال الإنتاجي ورأس المال المالي. فرأس المال
المالي أصبح مستقلا نسبيا بالنسبة الى الدورة الإنتاجية الصناعية،
بل انه صار يخضع الأخير لمتطلباته: حساب الربح المالي للأسهم
المالية. ثم إن سرعة انتقاله على المستوى العالمي ضاعف من قدرته
على ابتزاز الاقتصاديات الوطنية.
وثمة عوامل خاصة باقتصاديات المنطقة شكلت السبب المباشر للازمة
التي انطلقت من تايلاند لأسباب تتعلق بطريقة نمو الاستثمارات في
هذه الدولة: ففي ظل النظام الاقتصادي الجديد، لم يعد مستوى تطور
الاستثمارات في الأسواق المالية، ليتناسب مع مستوى تطور الإنتاج
المحلي. وحصل ذلك في معظم دول جنوب شرقي آسيا ولاسيما في تايلاند.
وتعتبر هذه الأخيرة الحلقة الأضعف لهذه المنطقة لأسباب عدة أهمها
طغيان الاستثمارات غير الإنتاجية على الاستثمارات الإنتاجية، وغياب
سياسة مالية متسقة.
لقد تجاوز مستوى رؤوس الأموال المستثمرة مباشرة وغير مباشرة مستوى
الدخل القومي، وعرف مستوى الديون التي تحولت الى استثمارات غير
مباشرة المنحى نفسه. لذا توجهت غالبيتها، العامين 1995 و1996 الى
الاستثمارات العقارية، ما تسبب في ارتفاع مباغت لقيمة الأملاك
العقارية، وحينذاك أصبحت المضاربة العقارية مصدر ربح سريع بالنسبة
الى المستثمرين. فارتفع مستوى الاسهم بصورة مصطنعة حتى اضطر الى
الهبوط المفاجئ مخلفا وراءه خسارات فادحة في الاموال.
وبالطبع تميزت اقتصاديات المثلث الصيني (هونغ كونغ)- السنغافوري _
الماليزي بسمات مختلفة، لأن الاستثمارات تمحورت أساسا في القطاعات
الإنتاجية، وقد تزايدت فيها قيمة الصادرات المكونة من منتجات ذات
قيمة مضافة مرتفعة. لكن هذا المثلث تأثر، ولا ريب، بالظاهرة
المتفشية في تايلاند، لان حجم الأموال المستثمرة فيها تجاوز مستوى
تطور القطاعات الإنتاجية، ما أدى الى تحولها في اتجاه القطاعات غير
الإنتاجية (انظر الجدول).
ومن عوامل الأزمة ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي الذي اضعف من
قدرة السلع المنتجة في المنطقة على منافسة سواها في السوق
العالمية. فالعملات المحلية لدول المنطقة كانت مرتبطة بعلاقة تعادل
مع الدولار الأميركي. والهدف من ذلك تحقيق استقرار النظام النقدي
الإقليمي، وكسب ثقة الأسواق المالية الأجنبية، وتجنيب المجتمع
المضاعفات الناتجة عن عدم استقرار سعر صرف العملة المحلية.
ولما شهد الدولار الأميركي ارتفاعاً ملحوظاً منذ منتصف التسعينات،
ادى ذلك الى ارتفاع العملات المحلية، وإلى ارتفاع كلفة الإنتاج
المحلي، وكذلك كلفة اليد العاملة. وادى ذلك بدوره الى تراجع
الصادرات وبالتالي الى تراجع نسبي لمستوى الإنتاج الصناعي، ما يفسر
التفاوت الذي حصل بين التراجع النسبي للاستثمار الصناعي من جهة،
والنمو المطرد لحجم الاستثمارات غير المنتجة من جهة ثانية.
ويعتبر سوء استعمال المصارف والمؤسسات المالية لعملية توزيع القروض
والاستثمارات عاملا من بين العوامل التي ادت الى تفاقم الازمة.
فكثيرا ما طغت الاعتبارات السياسية والمحسوبيات المحلية على
المقاييس الاقتصادية في عملية منح القروض للمستثمرين. وبلغت هذه
الظاهرة ذروتها في دولتين هما تايلاند واندونيسيا. فعلى سبيل
المثال استأثرت عائلة الرئيس سوهارتو بحصة الأسد من القروض
والمشاريع الاستثمارية، وكذلك فعل المقربون اليه. وقد اساء عدد من
المؤسسات المالية في اندونيسيا استعمال الأدوات المالية والمصرفية
، من خلال منح قروض لمشاريع لم تكن جديرة بالثقة، كما انها تغاضت
عن عمليات إفلاس وتردّ للعديد من الأموال المستثمرة. نضيف الى ما
سبق ان اندونيسيا افتقرت قبيل الأزمة الى قانون لإفلاس الشركات
التجارية يمنح الضمانات اللازمة للدائنين.
لكن البعض يرى أن الأزمة المالية ليست سوى انعكاساً سلبياً لأزمة
بنيوية تشهدها اقتصاديات هذه المنطقة. فعلى سبيل المثال، يذهب
الاقتصادي بول كروغمان الى حد القول ان تجربة التصنيع فيها لم تكشف
عن نقلة نوعية من النشاطات التي تتطلب يد عاملة كثيفة وتقانة خفيفة
الى النشاطات ذات التقانة الرفيعة المستوى . ويكرر الفكرة القائلة
ان قيمة المنتجات الصناعية لا تتكون من عاملين فقط وهما اليد
العاملة وراس المال وانما تضم مكونا ثالثا هو الابداع التقاني. لقد
تميزت صادرات المنطقة بانها اعتمدت على يد عاملة رخيصة ووفيرة،
وانها لم تتضمن قيمة تقانية مضافة قادرة على منافسة المنتوجات
الغربية واليابانية. ثم زال هذا العامل الايجابي تدريجيا مع ارتفاع
مستوى معيشة الطبقة العاملة.
وتعرضت هذه النظرية لانتقادات شديدة، وناقضها امران هما: اعتماد
المحور الماليزي - السنغافوري على تصدير المنتجات المعتمدة على
التقانة الرفيعةمثل المنتوجات الالكترونية، وقدرة الدول الاكثر
تطورا في المنطقة على الخروج من الازمة بحلول الالفين.
الابعاد الاجتماعية والسياسية للأزمة
تدلنا ارقام منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية على عمق اثر الازمة
المالية على الخارطة الاجتماعية لدول المنطقة. فعلى سبيل المثال
قفز معدل البطالة في اندونيسيا من 4.7 في المئة العام 1997 الى
21.3 في المئة العام 1998، ما جعل عدد العاطلين عن العمل يتجاوز
الثمانية ملايين، وذلك بالرغم من نزعة السلطات الاندونيسية الى
اعتماد احصائيات من شأنها أن تخفض من عدد العاطلين. وأدى التدهور
السريع لسعر صرف العملات المحلية الى انخفاض ملحوظ للاجور ما اصاب
الطبقتين الوسطى والدنيا المعتمدتين على العمل الأجير. فبعد شهر
من الازمة خسر البهت التايلاندي حوالي 40 في المئة من قيمته مقابل
الدولار، في حين ان الروبي الاندونيسي خسر اكثر من 25 في المئة من
قيمته.
وتمثلت الفئات التي تضررت بصورة خاصة من جراء الازمة في اليد
العاملة غير المستقرة والتي لم تكن لتتمتع بمستوى ما من الكفاءة،
والنساء العاملات واللواتي شهدن معدلات تسريح تفوق تلك التي شهدها
العاملين الرجال، والعمال المهاجرين الذين أعيدت نسبة كبيرة منهم
الى بلدانهم.
واثارت هذه التحولات المفاجئة تساؤلاً اساسياً وهو: هل يمكن
للمجتمعات الاسيوية الاعتماد على تجربة اقتصادية تطلبت من اليد
العاملة المحلية حوالي عقدين من التضحيات من الاستغلال الحاد،
لتعود الى ما كانت عليه قبل اقلاع قطاعاتها الانتاجية في اقل من
شهر واحد؟
اثارت هذه الازمة ردود فعل سياسية لدى السلطة ولدى المجتمع. لكن
التحركات والمبادرات اتت متباينة وفقاً لاختلاف الدول واطارها
السياسي الخاص. ففي حين ان سنغافورة ابقت اقتصادها منفتحاً على
الاسواق المالية، اتخذت السلطات الماليزية اجراءات صارمة بحق
المضاربين. اذ انها اقرت بتجميد المضاربة القصيرة المدى والتي
تناول العملة المحلية، في حين انها ابقت الباب مفتوحا امام
الاستثمارات المنتجة والبعيدة المدى. وشهد القطاع المالي الماليزي
مزيداً من تدخل السلطات السياسية، من اجل ضبط حركة رؤوس الاموال.
ومن جهة ثانية بادر رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد الى
تصعيد اللهجة ضد اصحاب النفوذ الاقتصادي والمالي في العالم، وفي
مقدمهم الاميركي جورج سوروس، ورد الازمة الى مؤامرة مالية صهيونية.
باختصار انتهج التحالف الوطني الحاكم سياسة اقرب الى المنطق
القومي، وازدادت فيه مكانة الخطاب الديني.
الرد الشعبي
أدت المضاعفات الاجتماعية للازمة الى صعود المعارضات السياسية والى
اضعاف الاحزاب والاطراف الحاكمة. وتبين ذلك في تايلاند حيث نشأت
نخب جديدة وطالبت المعارضات بمحاسبة المسؤولين عن الفساد. اما
الاثر الاوضح لهذه الظاهرة فقد بدا جليا في اندونيسيا حيث سقط نظام
سوهارتو الدكتاتوري بعد اكثر من ثلاثين عام من الحكم. لكن المزدوج
الماليزي - السنغافوري لم يشهد تبدلا ملحوظا.
كما انها ادت الى تفشي العنف في حق الاقليات الصينية. والجدير
بالذكر ان غالبية الدول غير الصينية تضمنت اقليات صينية استقدمها
الاستعمار الاوروبي، والذي عمد الى تنصير شرائح واسعة منها والى
استعمالها كيد عاملة، او الى الاعتماد على أفرادها كوسطاء تجاريين.
واستطاعت الاقلية الصينية في اندونيسيا ان تحتكر قطاعات واسعة من
النشاطات التجارية والمالية، في حين أمَّن لها نظام سوهارتو الامن
والاستقرار والدعم السياسي. واثارت الازمة نقمة شعبية نالت من حقوق
واموال هذه الاقلية، من جراء عمليات النهب التي تمت اثناء
التظاهرات الشعبية وفي اعقابها.
ولا بد ان نذكر ان سنغافورة استفادت من قرار ضبط المضاربة المالية
في ماليزيا لانها جذبت الرأسمال القادم من ماليزيا. كما انها
استقبلت الاف التجار الصينيين اللاجئين من اندونيسيا.
وخلاصة التحولات السياسية ان الازمة فتحت ابواب التحول الديمقراطي
في دول المنطقة. فحيث كانت الانظمة ديمقراطية غير متسقة وغير
مستقرة مثل تايلاند، طالبت المعارضة بتطبيق مبدأ الشفافية وبتبدل
لقواعد اللعبة السياسية وبمكافحة للفساد. وحيث كانت الانظمة
استبدادية اسقطتها المعارضة السياسية، كما شهدنا في اندونيسيا
اعتباراً من العام 1998.
الطبقة الوسطى
لقد كثرت الدراسات التي اوكلت الى الطبقات الوسطى الجديدة الصاعدة
مهمة انهاء عهود الاستبداد، لأنها طبقات مطالبة بالحرية ما ان
استقر وضعها الاجتماعي . لكن الظاهرة التي نحن في صددها توحي بعكس
ذلك : أي ان افقار هذه الطبقة ادى الى اسقاط الانظمة الاستبدادية،
لأنها كشفت عن مسؤوليتها في سوء الادارة المالية والخضوع
للمحسوبيات العائلية والتصرف الاعتباطي بمنح القروض.
|