العدد

165 :

الخميس, نوفمبر 20, 2008 - 11:20 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

محنتهم الحديثة بدأت عام 1983  بعد اندلاع الحرب الأهلية بين التاميل والحكومة

المسلمون في سريلانكا بين مطرقة البوذية و سندان الهندوسية

 

أحمد أبو زيد *

 

برزت دولة سريلانكا على سطح الأحداث مؤخراً ضمن الدول الثماني التي ضربها زلزال آسيا المدمر، حيث فقدت ما يزيد على أربعين ألف قتيل ضمن ضحايا الكارثة، التي طالت الكثير من المسلمين الذين يعيشون في هذه الدول المنكوبة.

وتقع جزيرة سريلانكا أو سيلان أو جزيرة الياقوت، كما أطلق عليها المسلمون، في جنوب آسيا وبالتحديد في الجنوب الشرقي من ساحل الهند، مساحتها 66 ألف كم2، ويبلغ عدد سكانها نحو عشرين مليون نسمة، ينقسمون الى طوائف دينية عدة، حيث يتبع سبعون في المئة منهم الديانة البوذية، و15 في المئة الديانة الهندوسية و10 في المئة الديانة الإسلامية ويدين سبعة في المئة بالمسيحية. والدول المجاورة لها هي الهند في الشمال وجزر المالديف في الشرق.

والجزيرة بحكم موقعها كانت منذ القدم مركزاً للنشاط التجاري، تحمل السفن من شواطئها أنواع التوابل والأحجار الكريمة إلى العالم، ويعتبر العرب من أوائل الذين كانت لهم علاقات تجارية مع سيلان، كما اتخذها بعضهم موطناً لسكناه، تزاوجوا مع سكانها، وأصبحت بالنسبة اليهم موطناً ثانياً، وأطلقوا عليها جزيرة الياقوت نظراً لوفرة الأحجار الكريمة في أرضها، كما عرفت باسم سرنديب.

 

تاريخ الاسلام في سريلانكا

 

ويرجع تاريخ الوجود الاسلامي والمسلمين في هذه البلاد إلى وقت مبكر حين دخلها التجار المسلمون في عهد الخلافة الراشدة، حيث كانت العلاقات التجارية هي الواسطة المباركة التي عبر عليها الإسلام إلى أهل الجزيرة ، فقد كان أولئك التجار مثالاً للأمانة والوفاء والخلق الكريم ، وكانت هذا الأخلاقيات أعظم دعوة للإسلام بين سكان الجزيرة.

فمع ظهور الإسلام، والأخبار التي يرددها التجار العرب عن الدين الجديد، وعن القيم التي ينادي بها، مثل المساواة بين الناس، والعدل الذي لا يفرق بين أسود وأبيض أو بين غني وفقير أو صغير وكبير، أو بين مسلم وغير مسلم، ازداد شوق سكان سيلان للتعرف على الإسلام. وينقل ابن شهريار في كتابه «عجائب الهند» أن أهل سيلان عندما سمعوا عن الدين الجديد أرسلوا بعثة منهم إلى المدينة المنورة مركز الدولة الإسلامية لتتعرف على الإسلام، ولتحصل على الأخبار والمعلومات الموثوق بها عن هذا الدين الجديد، ووصلت البعثة والتقت بالخليفة الراشد عمر بن الخطاب )رض)، وأخذت منه تعاليم الإسلام، وعادت إلى  أهل سيلان، الذين أقبلوا بدورهم على الدين الجديد. (1)

واستمرت الصلة بين مسلمي سيلان والمسلمين في المناطق الأخرى. وعندما تعرض قومٌ من الديبال (بالقرب من كراتشي اليوم) إلى سفينة تحمل مسلمين من سيلان واستولوا عليها. بعث الحجاج بن يوسف حملة عسكرية بقيادة محمد بن القاسم للدفاع عن مسلمي سيلان، وكان من نتائج الحملة أن فتح الله على المسلمين بلاد السند.

وزار الرحالة المسلم ابن بطوطة سيلان العام 1344م، وسجل في كتابه المشهور خواطره حول هذا البلد؛ فذكر أن كولومبو عاصمة سيلان كانت مدينة إسلامية، وأن سكان البلاد كانوا يحبون الإسلام ويقبلون عليه، ولو قدر للأمور أن تسير سيراً طبيعياً لكانت سيلان بكاملها دولة إسلامية.(2)

وتؤكد المصادر التاريخية أن التجار العرب الذين نزلوا الجزيرة كان لهم دور كبير في انتشار الاسلام فيها ، فقد وفدوا اليها لأغراض تجارية أو دينية، وكانوا يتمتعون برغبة في الدعوة الى الاسلام، وتزوجوا من نساء سريلانكا وغيرها مثل الهند، حتى ظهرت هناك طائفتان جديدتان تعرفان بعرب سريلانكا وعرب الهند، ونمكنت المستوطنات العربية الاسلامية من التوسع عبر القرون، حيث لقيت قبولا وتسامحاً من قبل الحكام السنهاليين، وكان سلوك المسلمين المثالي وخصوصاً في التجارة يؤثر في ملوك البلاد، لدرجة أنهم كانوا يعينون المسلمين مستشارين ووزراء لهم. وفي نهاية القرن الخامس عشر كان العرب المسلمون قد تمكنوا من بسط نفوذهم داخل البلاد والسيطرة على تجارتها الداخلية والخارجية.(3)

 

بداية المحنة

 

بدأت محنة المسلمين في سريلانكا مع مجيء الاستعمار اليها، حيث تعاقبت عليها ثلاث فترات من الاستعمار، وكانت كل منها أسوأ من الأخرى، حيث عمل الاستعمار بأنواعه على تشريد المسلمين واضعافهم وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية، بل عمل على قتلهم واحراقهم في بعض الأحيان.

ففي البداية جاء الغزو البرتغالي للجزيرة العام 1505 واستمر حتى العام 1658، وكانت البرتغال تسعى جاهدة إلى غزو البلاد الإسلامية، وكان البحارة الإيطالي فاسكو دي غاما الذي قاد الحملة البحرية البرتغالية يتصور نفسه القائد الرسالي الذي بعثته العناية الإلهية ليركز راية المسيح فوق كل أرض تصلها سفنه. وكان حاقداً على المسلمين بصورة خاصة، وقد اباد البرتغاليون قرى مسلمة بأكملها وحاولوا إزالة الوجود الإسلامي من الجزيرة، وبدأ نفوذ المسلمين في سيلان يتضاءل تدريجياً.

كان هذا الاستعمار سبباً في انحطاط المسلمين فهم الذين قاوموه دفاعاً عن سريلانكا، لكنهم لم يستطيعوا الصمود أمام الأسلحة المتطورة التي كانت في حوزة الغزاة، ولذلك عمل الاستعمار على محو المسلمين من الوجود، فجردهم من كل المزايا التي كانوا يتمتعون بها، وتمثلت ممارساته ضد المسلمين في ما يلي (4):

1- طرد المسلمين من عاصمة سريلانكا الى مناطق نائية داخل البلاد، لا تتوافر فيها وسائل الحياة الكريمة، بعد تجريدهم من جميع ممتلكاتهم.

2- طردهم من الوظائف الكبيرة التي كانوا يشغلونها.

3- احراق المسلمين أحياء، فقد سجل التاريخ السريلانكي مذابح البرتغاليين للمسلمين في صفحات سوداء لا تمحوها دموع التاريخ.

4- اغلاق المدارس الخاصة بالمسلمين وحرمانهم من التعليم.

5- طرد ملوك سريلانكا البوذيين الذين كانوا يعرفون للمسلمين فضلهم ويتعاطفون معهم.

وفي عهد البرتغاليين بدأ التنصير يمارس دوره في سريلانكا حتى أصبح للنصرانية أتباع من البوذيين والهندوس، بعد أن كانت غير معروفة هناك، وافتتحت المدارس التنصيرية بشكل واسع في طول البلاد وعرضها.

وبعد الاستعمار البرتغالي جاء الاستعمار الهولندي للجزيرة العام 1658 واستمر حتى العام 1716. واتبع الهولنديون السياسة نفسها تجاه المسلمين وأسسوا مدارس تبشيرية لنشر النصرانية في البلاد. وأصدروا قرارات تعسفية ضد الاسلام والمسلمين، وأعلنوا في جميع نشراتهم ودورياتهم أن المسلمين هم الأعداء الحقيقيون للنصرانية، وبناء على ذلك اتخذوا قرارات عدة في محاولة لاضعاف المسلمين، بحيث لا تقوم لهم قائمة، ومن هذه القرارات:

1- منع المسلمين من تأدية شعائر دينهم علنا.

2- فرض الأعمال الاجبارية والخدمة عليهم، وتجريدهم من أرضهم في حالة عدم قيامهم بالخدمات الاجبارية.

3- فرض ما سمي بـ«ضريبة الموت» وهو مبلغ يجب أن يدفعه السريلانكيون غير النصارى للهولنديين في مقابل الحياة، وهذه الضريبة كانت وسيلة من وسائل التنصير ومحاربة الاسلام، لأن من يتنصر يعفى منها.

4- منع المسلمين من مزاولة أي عمل تجاري مع الهند أو داخل البلاد، وفرض ضريبة مالية جديدة عليهم في حالة السماح لهم بالتجارة.

5- منع المسلمين من الاقامة في مناطق يعتبرها الهولنديون مناطق أمن.

6- تحريم هجرة المسلمين التجار الى سريلانكا.

 

الاستعمار البريطاني

 

ثم جاءت بريطانيا العام 1716 لتحتل الجزيرة حتى العام 1948، وفي هذا العهد خفت سياسة البطش والتعذيب والإبادة التي مارسها البرتغاليون والهولنديون ضد المسلمين قليلاً، إلا أن الإنكليز اتبعوا السياسة التعليمية لحرب المسلمين، فأنشأوا عدداً كبيراً من المدارس بين عامي (1732-1746) وفتحوا أبواب التعليم التبشيري لكل الطوائف والطبقات في سيلان. وكان التعليم في خدمة التبشير، الأمر الذي جعل المسلمين لا يقبلون على هذا النوع من التعليم، واكتفوا بمدارسهم الخاصة التي كانت ملحقة بالمساجد، وتقتصر على تعليم القرآن ومبادئ الإسلام.

وترتب على ذلك أن استفاد معظم سكان الجزيرة من الطوائف الأخرى من هذا التعليم التبشيري، واحتلوا أهم المواقع والوظائف في البلاد، إلا أن كثيراً منهم تركوا دينهم واعتنقوا النصرانية، الدين الذي يفرضه المحتل، وتبشر به المدارس التبشيرية، بينما لم يترك مسلم واحد دينه، فلم يكن المسلمون مستعدين لأن يقايضوا قيمهم الدينية ومعتقداتهم مقابل مكاسب مادية مهما كانت. (5)

وخلال الفترة 1881- 1901 بدأ المسلمون يشعرون بحاجتهم إلى المعاهد والجامعات التي تجمع بين العلوم الحديثة والعلوم الإسلامية، وأسهم الشيخ محمد قاسم سدّي لبي الذي كان مصلحاً اجتماعياً نشيطاً، وداعية مسلماً مرموقاً، في الدعوة الواعية في أوساط المسلمين، فأصدر صحيفة «صديق المسلم» باللغة المحلية التاميلية، التي بدأت تعنى بشؤون المسلمين وتشجعهم على الأخذ بالتعليم الحديث. وفي هذه الأثناء نفى البريطانيون الزعيم المصري أحمد عرابي باشا زعيم الثورة المصرية ضد الاحتلال البريطاني في مصر إلى سيلان، فأقام هناك من العام 1883 وحتى العام 1901، وقد تعاون عرابي مع سدّي لبي في تأسيس المدرسة الزاهرة العام 1892، والتي تعتبر أول معاهد التعليم الإسلامي في سيلان. وتحت تأثير عرابي حاول سدّي لبي نشر وتطوير دراسة اللغة العربية بين المسلمين. وفي هذه الفترة (أيضاً) زارت مجموعات من علماء جنوب الهند سيلان ، وعملت على نشر الوعي والتعليم بين مسلمي البلد. (6)

وفي العام 1948 حصلت سريلانكا على استقلالها، وأعلنت الديمقراطية كنظام للحكم في ظل تعدد الأحزاب، وتولت الحكم الأغلبية السنهالية البوذية، وفي ظل الديمقراطية وحرية الأديان أصبح للمسلمين دورٌ مهم في الحياة القومية، فهم يشاركون بدور حيوي في الحياة السياسية، وفي المؤسسات التعليمية، ويشغلون الكثير من الوظائف الإدارية بما فيها المناصب الوزارية.

ولكن رغم هذه التسهيلات والحقوق التي تمتع بها المسلمون في ظل الاستقلال، حاولت الحكومات البوذية المتعاقبة محو شخصية الأقلية المسلمة، مع محاولة تثبيت الانطباع بأن المسلمين يتمتعون بحقوقهم وحرياتهم، وكانت محاولاتها الخفية تتمثل فيما يلي: (7)

1- التضييق الجغرافي: عن طريق استيطان السنهاليين في مناطق الأقلية المسلمة، خوفا من الكفاءة السكانية للأقلية في أي منطقة من البلاد، وقد ترتب على هذه السياسة فقد المسلمين الكثير من أراضيهم.

2- التضييق الاقتصادي: فقد كان المسلمون يمتلكون لوقت قريب زمام الاقتصاد الوطني، وكانوا يتمتعون بقدر كبير من النشاط الاقتصادي والتجاري، ولكن الحكومة تنبهت لذلك فعملت على تضييق نشاطه الاقتصادي حيث استولت على أراضيهم وأصدرت قوانين عدة تحد من نشاطهم التجاري.

3- التضييق في مجال التعليم الجامعي: فالسياسة المعلنة للتعليم الجامعي هناك هي أن نسبة الدخول في الجامعات لكل طائفة تكون وفق النسبة السكانية، ولكن الطلبة المسلمين لم يظفروا بهذه النسبة، حيث لم تتجاوزنسبتهم ثلاثة في المئة رغم أنهم يمثلون ثمانية في المئة من السكان. وهكذا فان سياسة المساواة التي تعلنها الحكومة تأثرت الى حد كبير بالنزعات العرقية والدينية للأغلبية البوذية، ولم يستطع المسلمون كأقلية الحصول على حقوقهم كاملة.

 

الصراعات الهندوسية - البوذية

 

والمحنة الحديثة للمسلمين بدأت العام 1983، تاريخ اندلاع الحرب الأهلية بين «التاميل» والحكومة السريلانكية، حيث تتحمل الجالية المسلمة في سريلانكا نتائج هذا الصراع، فالمسلمون يعانون بشدة من الصراعات الهندوسية - البوذية، التي أصبحوا أهدافًا لها، لأنهم رفضوا أن يكونوا تابعين للمتمردين الثائرين ضد الحكومة، وتشير الإحصائيات إلى أن 1.8 مليون مسلم راحوا ضحايا الحرب الأهلية في الجزيرة، كما تتعرض منازل المسلمين بشكل مستمر إلى القصف أثناء هذه الصراعات؛ مما نتج عنه وجود 300 ألف مسلم بلا مأوى، واضطر الكثير من المسلمين إلى الإقامة في مخيمات للإيواء.

ومن هنا فان المحنة التي تعيشها الأقلية المسلمة في سريلانكا لا تساهم في صنعها الأغلبية البوذية وحسب، بل نجد جماعة نمور التاميل التي تعتنق الهندوسية، تحارب الحكومة والأقلية المسلمة في شمال وشرق البلاد بغرض الانفصال عن البلاد والحصول على الحكم الذاتي في المناطق الشمالية والشرقية المضطربة في شبه الجزيرة. ومن المعروف أن المسلمين يمثلون نسبة كبيرة من سكان المناطق الشرقية في سريلانكا، وهي المناطق التي يطالب بها نمور التاميل كوطن لهم. والصراع بين الحكومة السريلانكية وحركة نمور التاميل يدور منذ ثلاثة عقود، وسقط خلاله ما يقارب الـ60 ألف قتيل، وكان التاميل قد طردوا حوالي 100 ألف مسلم العام 1990 من شبه جزيرة جافنا التي يسيطرون عليها بهدف إبقائها خالصة لهم.

وجماعة نمور التاميل فرع متعصب من الهندوس الذين يمثلون 12 في المئة من تعداد سريلانكا، ويلقون دعمًا خارجيًّا من الهند بهدف التفوق على المسلمين الذين يسيطرون على تجارة البلاد ويعتبرونهم عائقًا أمام تحقيق حلمهم بإقامة دولة نمور التاميل في الشمال والشرق والتي توجد فيها محافظات ترينكومالي وبيتيكولور وأمبارا ذات الكثافة المسلمة، ويمثلها في البرلمان 20 نائبًا من أصل 190 عضوًا.

هناك حزب سياسي يُسمي «حزب مسلم كونغرس» يرأسه أشرف المحامي، وآخر الحروب الأهلية بين التاميل والمسلمين وقعت العام 1990 وأسفرت عن هجرة أكثر من 10 آلاف مسلم من محافظتي أمبارا وجافينا إلى المناطق الأخرى المجاورة وارتكبت فيها العناصر الهندوسية التاميلية المتطرفة فظائع لا تزال عالقة في أذهان المسلمين هناك. (8)

فالمسلمون يشكلون أغلبية في الشرق، وفي حالة ضم الشرق الى الشمال ليشكلا مناطق حكم ذاتي للتاميل سيفقد المسلمون قوتهم ويصبحوا أقلية مضطهدة، ولذلك طالبوا باعطاء التاميل الحكم الذاتي في الشمال، والمسلمين في الشرق، وهذا ما أدى الى الصراع بين التاميل والمسلمين، وبدأت هجماتهم ضد المسلمين من قتل وتشريد واحراق وطرد من دون أدنى حماية من الحكومة، فقد أحس التاميل أنهم لكي يستقلوا لا بد من طرد المسلمين من الشمال والشرق، وتساعدهم في ذلك الحكومة الهندية.

وقد أعرب مسلمو سريلانكا في أيار - مايو - الماضي عن رغبتهم  في ايفاد فريق خاص بهم لمشاركة وسطاء السلام النروجيين في محادثات السلام المستقبلية بين الحكومة السريلانكية ومتمردي حركة نمور التاميل، التي تطالب بالانفصال عن الحكومة. وقال حزب المؤتمر الإسلامي في سريلانكا وهو أكبر حزب إسلامي في البلاد: أنه «أصر على أن يكون ممثلاً بفريق خاص عند استئناف المباحثات الرامية إلى التوصل لحل سياسي في النزاع الإثني المستمر منذ ثلاثة عقود في الجزيرة المتنازع عليها»، وطلب زعيم الحزب رؤوف حكيم، الذي كان عضوا في فريق المفاوضات في الحكومة السابقة، من الوسيط النروجي إريك سولهيم، خلال محادثات جرت بينهما، أن يضم فريق وسطاء السلام النروجيين فريقاً خاصاً منفصلاً من المسلمين إلى المحادثات التي تجري بين الحكومة والتاميل، بخاصة أن الحكومة ومتمردي التاميل وكذلك المجتمع الدولي أقروا بضرورة إشراك المسلمين في المحادثات، حيث يعتبر المسلمون الذين يتمركزون في الجزء الشرقي من الجزيرة الذي يهيمن عليه نمور التاميل ثاني أكبر أقلية في سريلانكا بعد التاميل، وينظر اليهم على أنهم عامل مهم لإنجاح أي اتفاق للسلام بين الحكومة والمتمردين.

وتحاول حكومة سريلانكا الحصول على دعم عسكري خارجي في حربها ضد المتمردين التاميل، بعدما حققوا مكاسب عسكرية كاسحة في شبه جزيرة جافنا، وهذا ما يفسر قرار الحكومة بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وهو ما يرفضه المسلمون هناك.

ودأبت إسرائيل على تسليح قوات الأمن السريلانكية بالرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية بين الجانبين. ويعتقد المحللون أن كولومبو ترغب من وراء إعادة العلاقات مع تل أبيب في الحصول على الدعم العسكري بخاصة من الطائرات الإسرائيلية.(9)

وقد انتقل الصراع بين الجيش السريلانكي ومتمردي نمور التاميل إلى شبكة الإنترنت منذ أوائل العام 2001، بعدما أقامت المؤسسة العسكرية في سريلانكا موقعًا على الشبكة الدولية لعرض وقائع الصراع في شمالي البلاد من وجهة نظرها، وواجه الموقع الجديد هجومًا مضادًا من قبل مخربين ينتمون الى جماعات المتمردين. ويتضمن الموقع معلومات دقيقة عن أفرع ووحدات الجيش السريلانكي، وآخر أخبار الموقف في منطقة العمليات، وهو يهدف ضمنيًا للرد على الدعاية التي ينشرها نمور التاميل على الإنترنت.(10)

 

أوضاع المسلمين الحالية

 

وعلى رغم هذه الظروف فان الأقلية المسلمة أصبحت تُعرف في سريلانكا باعتبارها الفئة الأكثر تعليمًا بعد أن كانت مشهورة في السابق بأنها الأكثر ممارسة للتجارة، ويرجع ذلك إلى ارتفاع عدد الطلاب المسلمين الذي يلتحقون بالمدارس والكليات المختلفة في الجامعات، وأنهم استطاعوا عن طريق التركيز على التعليم اجتياز عقبة توفير المدرسين الذي يوفرون لأبنائهم العقيدة السليمة وسط مجتمع يموج بالتيارات، وذلك بعد أن أصبح هناك مدرسون مسلمون من الجنسين، كما أصبح بينهم متخصصون في المجالات المختلفة، مثل الهندسة والطب والمحاسبة والإدارة، بالإضافة إلى أعضاء هيئة التدريس في الكليات المختلفة في الجامعات السيرلانكية، وعلى رأسهم واحد من أشهر الجراحين في سريلانكا في الوقت الحالي وهو البروفيسور شريف الدين الذي يعمل أستاذًا الجراحة في جامعة كولومبيا، والذي تم اختياره مؤخرًا رئيسًا للجراحين في الجامعة. هذا الى جانب وجود وزير من بين المسلمين في الوزارة السريلانكية، ووجود ممثلين لهم في البرلمان، ويتمتع المسلمون بحرية دينية لا بأس بها، تتمثل في العديد من المدارس والمراكز الثقافية الإسلامية، ويوجد في سريلانكا ما يقرب من 400 مدرسة لتحفيظ القرآن و600 مدرسة ابتدائية مشتركة. كما تضم العاصمة كولومبو مركزًا إسلاميًا كبيرًا، ومدرسة لتخريج الأئمة والوعاظ للعمل على نشر الدين الإسلامي، و25 معهدًا إسلاميًا، وكذلك مراكز لرعاية الأيتام ومكتبة إسلامية كبيرة تحتوي على مئات الكتب الإسلامية، فضلاً عن وجود محكمة إسلامية تُطبق الشريعة الإسلامية وقوانينها في الأحوال الشخصية، ولهم برامج إسلامية في الإذاعة والتلفاز الرسمي والصحف، وتعتبر أعياد المسلمين عطلات رسمية في البلاد. (11)

ومع ذلك فإن المسلمين ما زالوا يعانون من مشكلات عدة مهمة:

1- طغيان الفلسفة المادية التي أشاعها وثبتها الاستعمار الذي تعاقب على سريلانكا خلال أكثر من 500 سنة.

2- ضعف الكوادر الإسلامية المثقفة التي تستطيع مواجهة التيارات المادية العاتية.

3- اللغة التاملية التي هي لغة مدارسهم وكتبهم، بينما أصبحت اللغة السنهالية التي هي لغة الأغلبية البوذية اللغة الرسمية الشائعة في البلاد، الأمر الذي فرض تحدياً آخر وهو تعلم هذه اللغة وترجمة الكتب الإسلامية إليها.

 

الحفاظ على الهوية الإسلامية

 

وتتمثل أكبر المشكلات التي يعاني منها المسلمون حاليًا في كيفية الحفاظ على الهوية الإسلامية في مجتمع يتصف بتعدد الديانات والثقافات، إضافة إلى الاضطهاد الذين يعانونه من الأغلبية البوذية التي تساندها الحكومة، التي تمارس التبشير بين المسلمين، كما أن عددًا كبيرًا منهم يعيشون لاجئين بسبب الحروب الأهلية.

وتشير الدلائل الى وجود نشاط موسع من قبل الجماعات البوذية والهندوسية لإغراء المسلمين، الذين تبلغ أعدادهم نحو مليوني، على ترك الإسلام والدخول في ديانات أخرى، والجهود التي يقوم بها هؤلاء قد بدأت تؤتي ثمارها بالفعل، حيث أن أكثر من ثلاثين فتاة مسلمة قد تزوجن من شباب ينتمي لجماعة «بيرابيدانا» السنهالية البوذية في العاصمة كولمبو بعد إغرائهن بالمال، وأن أولئك الفتيات في طريقهن لإعلان ارتدادهن عن الإسلام، وجماعة بيرابيدانا والتي تعني «الأمر الشجاع» تعمل منذ مدة طويلة وسط صفوف الفتيات المسلمات في الجامعة، وتحاول إيقاعهن في حبائل الحب والغرام، وإغرائهن بتملك منزل الزوجية بعد الزواج وقد نجحت بالفعل في إقناع ثلاثين فتاة بالزواج من الشباب البوذي. وهذه الجماعة تتبنى أفكارًا تهدف إلى عودة الأقلية المسلمة إلى البوذية التي كانت عليها قبل دخولها في الإسلام في أواخر القرن الأول الهجري على أيدي التجار العرب.(12)

وهكذا فان حاضر المسلمين في سريلانكا من الناحية السياسية والاقتصادية ليس مرضياً بعد أكثر من عقدين من الحرب الأهلية التي أشعلها التاميل سعياً لاقامة دولتهم المستقلة على حساب المسلمين الذين يشكلون أغلبية في الشرق، والذين اكتووا بنار هذه الحرب دون غيرهم، وذاقوا خلالها الاضطهاد والمطاردة والمذابح الجماعية التي أودت بحياة الآلاف منهم، ولابد من أن ينظر العالم الاسلامي الى هذه الأقلية نظرة اعتبار قبل أن تختفي من الوجود كما اختفى مسلمو الاندلس.

 

_ الهوامش :

1- تقرير عن أوضاع المسلمين في سريلانكا _ دين محمد ميرا صاحب السريلانكي

2- سريلانكا .. جزيرة الياقوت - مصطفى محمد الطحان _ شبكة الاسلام اليوم - 19/05/2004

3- مجلة الدعوة _ السعودية _ 6ربيع الأول 1413هـ

4- تقرير عن أوضاع المسلمين في سريلانكا _ مرجع سابق

5- سريلانكا .. جزيرة الياقوت - مصطفى محمد الطحان _ مرجع سابق

6- المرجع السابق

7- تقرير عن أوضاع المسلمين في سريلانكا _ مرجع سابق

8- مسلمو سريلانكا ضحايا صراع الهندوس والبوذيين - كولومبو_ إسلام أون لاين/13-1- 2001

9- مسلمو سريلانكا يرفضون إعادة العلاقات مع إسرائيل - محيط - تاريخ الخبر _ 8مايو2000م

01- حرب السريلانكيين والتاميل تنتقل للإنترنت - موسى علي- إسلام أون لاين/2-1-2001

11- أوضاع مسلمي سريلانكا تتحسَّن رغم الضغوط - شيماء يحيى - إسلام أون لاين - 2/29/

21- مسلمة يتزوجن بوذيين في سريلانكا - محمد عبدالعاطى  - إسلام أون لاين - 2/12/2000

 

* كاتب وصحافي مصري

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع