|
بين دفاع ودفاع مقابر جماعية وجرائم بشرية
كلما تقدم العصر والتكنولوجيا والعلم كلما تخيل لنا بأننا ادركنا
جميع الخفايا والاحداث، سياسية كانت او ثقافية او اجتماعية! ولكن
سرعان ما يهزك حدث ما يصعب عليك ترجمته وتفسيره لأنه لا يساير
المنطق العلمي والثقافي والاجتماعي عالمياً كان او اسلامياً او
عربياً. فمثل احداث قتل الشعب العراقي الاعزل، مَن وراءها ومَن
نفذها وما اهدافها؟ اسئلة لا زالت تبحث عن جواب! وبعض وسائل
الاعلام العربي يتخبط بين نعتها مقاومة وتارة ً مجموعة اسلامية!
وأخرى فئات وطنية! مع تعاطفه معها ان لم نقل مساعدتها.
من
غرائب الامور التي تحمل في حقائبها اموراً مبهمة حقاً ويصعب
تفسيرها حينما تكون من شريحة اجتماعية تعتبر درجة في الرقي والوعي
والثقافة وانها عماد من اعمدة الامة للوثوب بنهضتها الى الهدف
المنشود.
ان
المحامات مهنة قانونية لها شرف ونبل وكيان اجتماعي كما وانها تحمل
مبادىء نبيلة ممكن ان تسموا بحاملها فوق كل الاعتبارات البالية
والمخلفات الاجتماعية. ان المحامي هو رجل الدستور والقانون وهو
ملاذ المضطهدين من البشر للدفاع عن حقوقهم وحرياتهم واموالهم
واملاكهم المغتصبة. ولكن اخيراً طالعتنا الاخبار بانباء غير مألوفة
شرعاً وعرفاً لرجال قانون تبرعوا للدفاع عن صدام! مع سابق علمهم
بالمقابر الجماعية التي ضمت مئات الآلاف من العراقيين عرباً
واكراداً وتركمان، مسلمين ومسيحيين، سنة وشيعة!
ما
هي القواعد القانونية للدفاع عن رجل لا يؤمن بجميع قوانين الارض
مدنية كانت او عسكرية، شرعية كانت او عرفية؟ ثم كيف يمكن الدفاع عن
قضية كهذه بين صراخ الثواكل والايتام؟ بين المشوهين والمعوقين؟
ربما هناك مخرجان قانونيان للدفاع عن صدام يمكن اثارتهما وان كانا
لا يصمدان امام الواقع والمنطق والحقيقة!
الأول: اتهام الرئيس العراقي بالجنون وانه يحمل مرضاً نفسياً قاده
للجرائم المرتكبة بحق البشرية وتهديم البنية الاجتماعية للمنطقة
بدفع خارجي! وطبعاً مثل هذا المخرج القانوني مرفوض اساساً لأن
الرجل كان يخطط عن سابق علم واصرار، ولو كان مجنوناً او مريضاً
لانكشف امره قبل تسلمه السلطة او بعد تسلمه لها حيث كان يعمل
ببرمجة وبتقدير اكثر حنكة من المحامين المتبرعين للدفاع عنه!
2- انه رئيس شرعي للبلاد ولا يحق لأي محكمة مقاضاته! وهذه النقطة
القانونية في مجتمعات العالم الثالث ليست لها ترجمة حقيقية لحد
الآن! فشرعية الحاكم تأتي عادة وكما متعارف عليه في الأعراف
والقوانين الدولية من الدستور، فكم من الحكام جاء عبر الدستور؟ وكم
منهم جاء بقوة السلاح الأجنبية؟ فالحاكم في العالم الثالث له ان
يجمد ويعطل الدستور متى شاء ويحركه في اي وقت رغب من دون ضوابط ولا
رقيب!
الحديث هنا عن مجموعة من المحامين عرب وغير عرب تبرعوا للدفاع عن
صدام! فهل القانون الدولي وغيره يسمح لأى محام دخول بلدٍ ما
والدفاع عن المتهمين بقضايا جرائم ابادة بشرية؟ اذا كان الأمر كذلك
لماذا لم يتبرع السادة المحامون للدفاع عن الشعب العراقي في زمن
الديكتاتورية؟ ولماذا لم يدافعوا عن محامين واطباء ومهندسين وكتاب
وتجار وسياسيين عرب رهن الاعتقال هنا وهناك؟ لماذا لم يتبرعوا
للدفاع عن عوائل الفلسطينيين الذين هدمت الماكنة الاسرائيلية
منازلهم بدون ذنب؟ وهناك عشرات بل مئات علامات الاستفهام معروضة
امام السادة المحامين بحاجة الى مفاتيح لفتح مغاليقها.
نعرف جميعا سبب التهافت الاعمى على هذه القضية، فالسادة يطلبون
شيئا من هذا التبرع المبهم، اما المال أو الشهرة!
والسؤال الغريب هو كيف تجرأت هذه المجموعة لطمس هذه المهنة النبيلة
بعرض زهيد ورخيص؟ واقول انه عرض رخيص لان صدام قالها مرة وبكل
جرأة: «القانون ورقة كتبناها بأيدينا وإن لم تعجبنا مزقناها
ورميناها في مزابلنا»!
ترى بأي قانون سيدافع السادة المحامون عن هذه الشخصية التي لا
تحترم البشر او القانون؟!
انها خيبة أمل ان يقف مثل هذا الكادر الفعّال والذي يمكن ان يساهم
في بناء صرح الديمقراطية وسيادة القانون والنظام الدستوري لهذه
الامة، للدفاع عن رجل المقابر الجماعية والجرائم البشرية.
ان
ما نحن فيه يثبت ان التحصيل العلمي ليس هو المقام الوحيد الذي يخلق
كادرا وطنيا ومثقفا، فبإمكان الرجل ان يكون على درجة عالية من
الوعي والثقافة والاحساس بمشاعر الناس وآلامهم من دون الحاجة لأن
يزين جدران مكتبه او صالته بالشهادات الاكاديمية.
منذر محبوبة- نورث كارولينا- اميركا |