|
الثقافة موقف ومبدأ وقيمة
يخطئ في ظنّه من يقول: إن المنعطف الحاد، الذي شهدته منظومة القيم
السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ارتسم على خارطة
العالم بعد حدث الحادي عشر من أيلول -سبتمبر- العام 2001، لأن
المنعطف كان يُرسم منذ عقود زمنية بعيدة. وبانت ملامحه في سقوط
الاتحاد السوفياتي وجدار برلين، ومن ثمّ المتغيرات، التي شهدتها
النظم السياسية في العالم الثالث، والدول التي ظهرت بُعيد سقوط
النظام الشيوعي، ثمّ ظهر المنعطف بوضوح أشد بعد أيلول 2001.
الحديث في هذا غطّته مؤلفات عدة وتحليلات صحافية وتعليقات إعلامية،
وتناولـه المحللّون والمفكّرون، وجلاه (ضمن أدب نستطيع وسمه بـ«أدب
فلسفة السياسة" فوكوياما وهنغتون في كتابيهما نهاية التاريخ وصراع
الحضارات.
وما يهمنا في هذا المجال، هو المتغيرات الفكرية الأخلاقية التي
برزت في تذبذب المعيار الأخلاقي ـ المبدئي عند المثقفين الذين
انضووا تحت خيمة (الليبرالية). ومن هنا تُعلن المفارقة المأساة أو
مأساة المفارقة. لقد فُجعنا ـ نحن المتلقين العرب ـ بتلك الانحناءة
ـ الهاوية التي شكّلت الموقف الفكري لمثقفين (قوميون وماركسيون
ويساريون وتقدميون، وإسلاميون)، صنعوا وعينا من معطيات نتاجهم
الفكري على الأسس المبدئية التي وسموا بها قبل المنعطف. وفي
تذبذبهم المبدئي خلقوا ساحة مغناطيسية بين عقولنا، التي نضجت،
ومشاعرنا، التي اهتزّت وما زالت إثر سقوط ورقة التوت، التي كانت
تستر عورات أولئك وهؤلاء.
عندما بانت الحقيقة، وتأكدت ظنوننا، التي كنا ندفعها بعيداً لنفي
الشبهة عنهم، حيث كانت تبرز بين الحين والحين إشارات حية تؤكد
ارتباطاتهم بمرجعيات تعمل على مصادرة جوهر المواقف المبدئية، وتترك
قواقعها تدور في فراغ الأدلة والعاطفة الجماهيرية العفوية.
وإذا كان لابدّ من العودة إلى الحكمة في الموروث الشعبي؛ فإننا
نؤمن بها عندما تعلن: «ربّ ضارة نافعة»، وقد سقط النقاب، وانكشفت
خبايا المسرح وبتنا نتأكد من أن فصاحة الممثل متأتية من فصاحة
الملقّن، وأن المعنى الكامن وراء النص معدٌ إعداداً جيداً في مطبخ
العولمة، الذي تديره بشكل جيد الـ سي آي إي
(
CIA
) التي حققت نجاحات مذهلة إلى ما قبل غزو العراق.
ومما لاشك فيه أن ذبذبة المواقف المبدئية لعصبة من المثقفين
المفكرين والمبدعين، الذين خطفت أضواؤهم صفاء أبصارنا، قد قدموا ـ
الآن ـ لنا خدمة جليلة، نحن الجمهور الذي صفّق لهم وأضاف إلى
إضاءاتهم بريقاً أوصلهم إلى دائرة الضوء المصنّع في مؤسسات لا تصنع
الموقف والمبادئ فحسب، بل تصنع الذات الإبداعية المنحدرة في
غياباتها الغائية. لقد أبدعت هاتيك العصبة شعارات الاشتراكية
والقومية واليسارية وراهقت وتطرفت. وما إن انكشف الغطاء وسقطت ورقة
التوت حتّى وجدناهم قد تتلمذوا بشكل جيد في مدارس المخابرات
المركزية الأميركية والمخابرات الروسية والمخابرات الألمانية
الشرقية (قبل سقوط جدار برلين)، وأن تلاميذ المدرستين التاليتين
كانوا ضمن حلقات مرتبطة بمخابرات المنبع. فالليبرالية (التي ارتدوا
مسوحها) في تعريفها المبسّط هي (البينية بين صلابة المبدأ الجوهري،
ومرونة التعامل الشاف مع المعطى الحضاري الجديد، لكنهم فهموها على
أنها مغادرة الموقف والاستسلام الكامل للواقع الذي يفرضه الأقوى،
والنظر إلى المبادئ بمنظار صُنِّع خصيصاً لطمس الهوية القومية،
وإلغاء التاريخ، ومسخ القيم، وتقزيم المبادئ والعقائد.
أمّا الجزر المربوط على أطراف العصي لسير هؤلاء فهو الأكثر إغراءً
للنفس السيئة وليست الأمّارة بالسوء: المادة والجنس والشهرة وتحفيز
الرغائب المكبوتة لتحقيق حلم يأتي غداً في ظنّهم.
أمّا المادّة فتأتي ضمن مشروطيات ومحفّزات تشكل قنوات تضخ في مصلحة
الغاية (العولمية) التي يريدها القطب القهّار؛ الفضائيات والصحافة
العائمة على بحر من الدولارات الأميركية. وقد أطل علينا مبدعو
شعارات اليسار والقومية والإسلام، وتحدثوا بوقار إلى الخاطئين
معلنين توبتهم عن مواقفهم لقاء حفنة من الدولارات، وكتبوا في صحافة
الإثارة براءات عن مواقفهم (السابقة) وأعلنوا "ليبراليتهم"
الفكرية.
أمّا الجنس فكان عبر لعبة الأصل والظل، أو الوجه والوجه الآخر،
فلكل «فحل» من هؤلاء أنثاه، ولكل أنثى من اولئك فحلها. والورق
متوفر والحبر متوفر والصياغات متوفرة والوسائل الناقلة متوفرة
وبالدولار أيضاً. والمادة والجنس بوابتان فسيحتان للشهرة ولكل واحد
(على الضرورة أو المستلزم) خليلة مصنوعة هناك أيضاً. وللشهرة غاية
تكمن في الجوائز (العولمية) التي تحتاج إلى ختم (مركزي أميركي)،
وربما تُمنح لكل من انسلخ أو انبتّ أو هضم أو وافق أو أدان تاريخه
أو وقّع على خارطة جديدة.
وجائزة نوبل شمسهم، وثمة جوائز ترضية تدور في فلك نوبل سياسياً.
فإذا ما عبر المثقف (الليبرالي.. العولمي؟؟!) تلك الاختبارات، وآمن
تماماً بضرورة، أو شرعن، تغيير فكره وموقفه على أساس الشرعنة
العلمية لتغيير الجنس (المذكر يتحول إلى مؤنث وبالعكس. وربما رفض
بعضهم الحالتين الثابتتين، فاختار التخنيث طلباً للسلامة وضماناً
للمستقبل).
لقد ارتفعت أصوات هؤلاء وعلا خطابهم وباتوا يشاكسون التاريخ
والحراك الشعبي، مثلهم مثل المقامر. أي أنهم يراهنون على حركة
الدبابة الأميركية والعسكري الأميركي، بخاصة وأن التجربة قد نجحت
مع الروّاد الذين ـ ربما ـ ولدوا في أرض السواد.
إننا نستطيع التبرؤ منهم، وقد فعلنا، لكنهم رسّموا أنفسهم كمنقذين
من الضلال، ومهندسي الديمقراطية الجديدة، ومبشرين بعهد جديد يستمد
نبوءاته، وأحلامه، وطموحاته من (العهد القديم؟؟!!).
إنهم مثقفو النفعية الإعلامية، والسياسية، الكافرون بالتاريخ،
الحاقدون على القيم، العابرون دماء الشهداء، الخُطاة الذين يحملون
ممحاة لطمس حدود الجغرافية#0236 نعم هم بيننا.. يتعالون علينا..
يطعنوننا في صدورنا، يدوسون قيمنا ومبادئنا.. يكتبون في صحفنا
(أيضاً).. نعرفهم واحداً و احداً.. إنهم مكشوفون.. وسنكتب لأطفالنا
قصصاً عن مخازيهم، وسنستبدل شخصية الثعلب بشخصياتهم.. ليحذر
الأطفال إذا لم نستطع مواجهتهم بموقف ثقافي موحّد.
د. وليد مشوِّح - رئيس تحرير مجلة الموقف الأدبي السورية وعضو
المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب |