العدد

165 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:23 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 
 

آلة التصوير كانت الأسبق الى غزو الوطن

تاريخ الصورة والتصوير الضوئي في ليبيا

 

فتحي العريبي *

 

الدليل الذي تقبض عليه صورة اليوم يختلف كثيرًا عما كانت تمتلكه صورة الأمس، اذ بات في مقدورنا الآن أن نصور كل شيء لأن فن التصوير الضوئي أعطانا شرائع جديدة للرؤية وفتح مغاليق البصيرة أمام تلك المفاهيم العتيقة حول الأشياء التي تستحق أن ننظر إليها وتلك التي يتيسر لنا تصويرها. وهذا الفن لم يكتف بذلك بل أغوانا بقواعد وأخلاقيات جديدة للرؤية. وأهمية هذا الفن تعود، أيضا، إلى أنه أحاطنا بذلك الإحساس بأن الدنيا بأسرها تستطيع أن تتجمع فينا.

 

الصورة تشبع حيزا من معرفتنا حول الماضي، وتجعلنا نستوعب الحاضر. وفن الصورة الضوئية، دون الفنون كافة، يتصرف بأشكال الكون، ومن ذلك أن أحجامه قابلة حينا للتصغير وحينا للتكبير وأن هذه الأحجام بإمكانها أن تخدعنا بزيفها وتضللنا برتوشها.

 

والصورة الضوئية تفقد شبابها، ككل شيء جميل، وتشيخ وتذبل، ككل امرأة فاتنة. والصورة الضوئية تزول وتنمحي من الوجود. وقبل هذا وذاك قد تحظى بقيمة شرائية بعضها يحشر حشرا في الألبومات وبعضها يوضع على الرفوف والطاولات. والبعض من هذه الصور يعلق بالمسامير فوق الجدران. شبكات الإنترنت والصحف والمجلات تعمل على الاستعانة بها وأجهزة الأمن تجهد نفسها في التحديق في وجوهها، والمعارض والمتاحف تعرضها بكثير من العناية، ودور النشر والتوثيق «تؤرشفها» بالآلاف.

 

هذه الصورة سريعة العطب تتمزق بالسرعة نفسها التي نصورها بها، وهي شاهد حق على وجود الحقائق، التي نشك بوجودها لو أننا اكتفينا بالقراءة عن تلك الحقائق.

 

وبنظرة شاملة، نكتشف أن فن التصوير الضوئي أصبح الفن الشعبي الأكثر ممارسة بين الجميع، بل صار هذا الفن طقسا اجتماعيا ووسيلة دفاع ضد ما يجتاحنا من قلق.

 

فمنذ ما يزيد عن المئة عام ارتبطت الصورة باحتفالات الزواج بل هي القانون غير المكتوب في عقود الزواج. وحتى عدم تصوير الأطفال ومراحل نموهم يعتبر الآن إهمالا تربويا. لذلك، وبفعل الصورة، تقيم العائلة تاريخها كشهادة على روابط هذه العائلة أو تلك، وهنا لا يهم شكل الحركات ولا يهم أيضا ثبات السكنات. الصورة في حد ذاتها هي الأهم.

 

إضاءة أولى

 

على رغم تعدد عناوين المصادر والمراجع واللغات المختلفة التي كتبت بها وترجمت في حينها أو في أوقات لاحقة إلى العربية، وأعني بذلك هذا الكم الهائل من المؤلفات والتراجم التي تناولت بإسهاب التاريخ الليبي المعاصر في العهدين التركي والإيطالي، لم يقع في متناولي مصدر واحد من مجموع هذه الكتب القيمة الكثيرة خصص حيزاً قليلاً لدور الصور الضوئية وأهميتها في توثيق الإستيطان ورصد حركته خلال هذين الاحتلالين البغيضين. وأغلب الكتب، التي تمكنت من الإطلاع عليها، انصرفت في شكل أو آخر إلى تدوين ظروف الاحتلال التركي، وتعرضت بتفاصيل شبه مكررة ومعادة لتاريخ الباشوات القمعي في قلعة طرابلس، إضافة إلى سرد قصص انهياراتهم ورواياتها المفجعة، باشا اثر باشا وواليا بعد آخر، إلى أن استسلم الكيان التركي في معاهدة لوزان الشهيرة، وتنازل عن هذا الوطن الجميل رغما عنه للهيمنة الإيطالية ردحاً طويلاً محزناً من الزمن.

 

ولاني معني عناية كبيرة بفن الصورة والتصوير الضوئي، منذ ما يزيد على ربع قرن، استطعت تأسيس أرشيف مصور، غير متواضع، يشتمل على أهم الصور في العهدين التركي والإيطالي وجانبا لا يستهان به من مرحلة العهد الملكي، وهي صورٌ، في معظمها، أصلية وغير مستنسخة عن صور أخرى.

 

الكثير من هذه الصور يؤكد أن آلة التصوير كانت أسبق إلى غزو الوطن قبل إنشاء «بنك روما» وقبل الاستثمارات الإيطالية فوق أرضنا بوقت طويل، إذ تبين بيسر أن آلة التصوير جاءت إلينا بصحبة ما يسمى بالبحاثة والرحالة والمكتشفين كرفيقة موثوق بقدرتها على الرصد والتسجيل، وانطلقت معهم تصور سواحلنا البكر وجبالنا الظليلة وواحاتنا الآمنة، من خلال أقنعة عدة من بينها الرغبة المخلصة لخدمة الأغراض العلمية والكشوفات التاريخية والجغرافية على طول امتداد وعرض الصحراء الليبية. وهي رغبة كانت تثير حماس العقلية الاستعمارية في التعجيل بغزونا واحتلالنا.

 

ففي مدن السواحل قامت آلة التصوير الإيطالية بتصوير بيوتنا الواطئة وشوارعنا الضيقة، والتقطت مئات المشاهد للناس البسطاء وهم يمارسون حياتهم العادية في الأسواق والمزارع الصغيرة وفي بيوت العبادة وخلوات تعليم القرآن الكريم.

 

 بل ان آلة التصوير الإيطالية تمادت في تزييف واقع حياة المرأة الليبية واستعانوا بالغواني الأجنبيات كموديلات تصوير يرتدين الزي النسائي الليبي كيفما أتفق في لقطات أقرب ما تكون بدمى شمعية جامدة، وانتهزت هذه الآلة ظروف الكيان التركي وتفككه في طرابلس وبنغازي وغيرهما من المدن الليبية. وطفقت ترصد وتصور جميع المواقع الاستراتيجية، وكانت حصيلة هذه الصور ترسل أولا بأول للقيادة السياسية والعسكرية في العاصمة الإيطالية لدراستها ووضع الخطط الكفيلة بحصر النفقات والخسائر المتوقعة في أضيق دائرة ممكنة عند الشروع في غزو ليبيا.

  

رجس من عمل الشيطان

 

على الجانب التركي كان «الباشا» وحاشيته وأعوانه الموعودون بنعيم حياة الدنيا يتعاملون مع آلة التصوير التركية ضمن حدود القلعة المحصنة ضد هجمات الدواخل، وكان التصوير التركي مقتصرا فقط على الرجال وبعض الجاريات الروميات والشركسيات. وكان الشائع بين الأتراك في ذلك الحين أن التصوير رجس من عمل الشيطان، وتم تحريمه باعتباره خطيئة لا تغتفر ومهنة تافهة من اختراع البهلوان الفرنسي: داجير.

 

من هنا ومن هذه الرؤية الثقافية، لا يمكن للباحث الجاد، في مثل هذا المجال الحيوي، أن يعول كثيرا على صورة تركية كوثيقة للدراسة والتأمل، بينما نجد أن الإيطاليين قد جلبوا معهم سلفا أحدث آلات التصوير وأمهر المصورين كأسلحة فعالة للانقضاض على جثة الرجل التركي المريض واجتياح ثكناته الهشة وغرف نوم حريمه وحماماته البخارية. وعندما نضجت الخطة الإيطالية الخبيثة تسللت البوارج الحربية تعززها السفن العملاقة في جنح الظلام، وأخذت تدك سواحلنا بوابل حممها النارية المدمرة. وكانت آلة التصوير الإيطالية في مقدمة الطلائع الزاحفة وسجلت باقتدار الصمود التركي الواهن في قلعة طرابلس وقصر بنغازي.

 

ولأول مرة يتعرف الليبيون على هذه الآلة «اللعينة» المنصوبة على ركيزة ثلاثية الأرجل، وساد بينهم اعتقاد خاطئ مفاده أن هذه الآلة من المدافع الجديدة، التي أدخلها الطليان إلى ساحات القتال. وظنها آخرون في ذلك الزمان منظاراً مقرباً لمساعدة المدفع الرشاش في توجيه طلقاته القاتلة بإحكام، لكنها لم تكن فقط كذلك بل كانت أكثر من ذلك بكثير.

  

إضاءة ثانية

 

مع أول لقاء فعلي ومباشر بين آلة التصوير الإيطالية والمواطن العربي في ليبيا حدث التنافر والكراهية من قبل هذا المواطن. وارتبطت هذه الآلة بذاكرة الليبيين بالموت شنقا أو رميا بالرصاص وهي ذاكرة صلبة لا يمكن أبدا التقليل من شأنها في أي زمان ومكان.

 

فعند إلقاء القبض على مجموعة من المجاهدين الليبيين كانت تنصب أعواد المشانق على عجل في ساحة المعركة، وفي الوقت نفسه يهرع طاقم التصوير المرافق للفرقة العسكرية الإيطالية، ويعد آلة التصوير الضخمة في مواجهة طابور الليبيين، الذين جرى اعتقالهم بتهمة عصيان السلطات الإيطالية، حيث تلتقط لهم صورة أولى وهم على قيد الحياة تليها صورة ثانية وأجسادهم الطاهرة تتدلى من أطواق حبال المشانق. وكانت هذه الصور على بشاعتها مثار فخر وسائل الإعلام الإيطالية في روما، لتعلن بابتهاج من خلالها عن مدى سيطرتهم على الموقف في الأراضي الليبية.

 

وبتواصل حركة الجهاد، ومع استمرار الوجود الإيطالي، يزداد الليبيون كرها وحقدا على آلة التصوير كلما لاح تواجدها بينهم فيما تضاعفت رغبة الإيطاليين في القبض على شيخ المجاهدين المتصوف عمر المختار بأي ثمن وتحويله هو الآخر صورة إعلامية تزين الصفحات الأولى في المطبوعات الإيطالية في روما وطرابلس. وبمحض الصدفة، وكما هو وارد بالتفصيل في مذكرات غرسياني، يقع الزاهد المتصوف من على صهوة فرسه البيضاء، ويتم القبض عليه بسرعة، وينقل بحرا في سرية تامة من ميناء بلدة سوسة في الجبل الأخضر إلى ميناء مدينة بنغازي. وفي ساحة المحكمة، وقبل صدور الحكم عليه بالإعدام شنقاً، تلتقط للشيخ البطل عشرات الصور وهو مكبل بالأصفاد والحديد. ومن وحي لقطة من هذه الصور، التي نشرت أيضا في صحف القاهرة، ينظم أمير الشعراء أحمد شوقي مرثيته الشهيرة في عمر المختار والتي يقول في أحد أبياتها:

 

وأتى الأسير يجر ثقل حديده

                                      أسد يجرجر حية رقطاء

 

ومن دون الخوض في حركة الجهاد الليبي بعد إعدام أسد الصحراء - عمر المختار، ظلت علاقة المواطن العربي الليبي بآلة التصوير تشوبها الكراهية القديمة والحذر الشديد، الأمر الذي لم يشجع الليبيين في ما بعد على ممارسة هواية التصوير الضوئي أو احترافه لفترة طويلة، وهي فترة أراها خسارة فادحة في مجال التوثيق المصور.

 

إضاءة ثالثة

 

منذ منتصف الأربعينات في القرن الماضي وحتى أواخر الستينات تقريباً، اقتصرت مهنة التصوير في ليبيا على المستوطنين الطليان، وبعض اليهود واليونانيين، واحتكر هؤلاء الأجانب وحدهم مهن التصوير المختلفة من دون منافسة أو مشاركة وطنية وامتلكوا كذلك إلى جانب محلات التصوير شركات استيراد وتسويق مواده الفنية واحتكر أحد هؤلاء الطليان تصوير البطاقات البريدية. والليبيون القلائل الذين أتيحت لهم فرص اختراق غرف عمليات التصوير في تلك المحلات والإطلاع على النزر القليل من أسرار هذا الفن، كانوا في البداية مجرد خدم في بيوت هؤلاء الطليان واليهود ومحلاتهم. والمواطن الذي تمكن بشق الأنفس من فتح محل تصوير خاص به لم يسلم من سيطرة الأجنبي عليه سواء عند تزويده بالمواد الفنية التي يحتاجها أو التلاعب بأسعارها غير الثابتة. والمؤسف أن المصورين الليبيين الأوائل في تلك الحقبة من تاريخ هذا الوطن لم يتركوا لنا أعمالا فنية أو تسجيلية يمكن الرجوع إليها ولها شأنها التوثيقي، إذ ظلت علاقتهم ومعرفتهم بالتصوير الضوئي محصورة في نطاق ضيق لا يتعدى تصوير صور البطاقات أو جوازات السفر.

  

* باحث وفنان تشكيلي من ليبيا - من رواد التصوير الفوتوغرافي في العالم العربي

 

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع