العدد

165 :

الخميس, نوفمبر 20, 2008 - 10:38 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 
 

الحج والرحلات كمعلمين اعلاميين

  

عبد الحسن الامين

 

شكل الحج الى مكة، على مر التاريخ الاسلامي، منبرا اعلاميا يقترب الى درجة بعيدة مما نسميه اليوم Mass Media بسبب الحجم الكبير لمتلقي رسالة الحج الاعلامية والمشاركين فيه. ومن المعروف ان الحج من اركان الاسلام الخمسة (الشهادتان، الصلاة، الزكاة، الصوم والحج) «ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا». ويصف القرآن الكيفية التي يتم فيه تلبية النداء الى الحج وشمول التلبية واتساعها اذ تقول الاية الكريمة: «وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم».

 

والواقع انه نُظر الى الحج دائما على انه بمثابة مؤتمر او برلمان سنوي للمسلمين.

 

وفي شهادة لمؤلف كتاب حاضر العالم الاسلامي تقول «ان الوحدة الاسلامية انما هي قائمة على ركنين هما اساساها ولا ثالث لهما: الحج الى بيت الله الحرام في مكة المكرمة والخلافة» وينتقد الذين يعتبرون الخلافة العامل الاهم في تدعيم اسس الوحدة، وليس الحج، اذ يقول «وقد غلب على رأي الكثيرين من رجال الغرب وهْمٌ في هذا الموضوع. فهم ما برحوا يخالون الخلافة لا الحج، العامل الاكبر والاشد الذي بسببه يتشارك المسلمون ميولا وعواطف تشاركا مؤديا الى اعتزاز بالوحدة على ان هذا لمن الوهم الصرف فالامر حقيقة على الضد منه».

 

فالواقع يظهر، على الاقل في هذه الايام، انه في مكة وفي موسم الحج تتجلى ابرز مظاهر الوحدة لدى المسلمين، اذ يجتمع هناك سنوياً حشد من المسلمين تتفاوت اعداده بتفاوت المرحلة التي نتحدث، فمع بداية هذ القرن كان يتم الحديث عن حشد من مئة الف واما اليوم فالكلام يدور عن حشد فيه مليون ونصف المليون. وهناك امام الكعبة يتعارف المسلمون ويتلاقون على اختلاف في الجنسيات والاعراق والالوان والالسن ولا يخلو هذا الاجتماع من المقاصد السياسية (بالمعنى الفكري العام للسياسة)، التي يحققها المسلمون اثناء موسم الحج اذ يكفي ان تقول «ان الحج انما هو المؤتمر الاسلامي السنوي العام، فيه تتباحث الوفود الاسلامية والنواب المسلمون الطارئون من اقطار المعمور الاسلامي كافة في مصالح الاسلام، وفيه يقوم هؤلاء بوضع الخطط ورسم الطرائق للدفاع عن بيضة الاسلام».

 

وهذا المعنى الذي اشارت اليه هذه الشهادة ورد عند زعماء سياسيين حديثين مثل عبد الناصر والسادات (قاما بأداء فريضة الحج العام 1954) وسبقهما الى ذلك الشيخ حسن البنا، مؤسس حركة الاخوان المسلمين اثناء موسم الحج العام 1946.

 

وهناك من ينوه بأن حسن البنا نفسه قد استفاد من موسم الحج لنشر فكرة حركة الاخوان بين المسلمين القادمين من الهند والباكستان وارجاء اخرى من البلاد العربية. والثابت ان لقاءات مع ابي الاعلى المودود مؤسس الجماعة الاسلامية في الهند قد حصلت على هامش مواسم الحج اكثر من مرة.

 

ويذكر في هذا المجال ان كلا من الحركة الوهابية والسنوسية كان الحج موسما لانطلاق دعوتها ونشر افكارها في العالم الاسلامي، ففي الحج «هذا المؤتمر الاسلامي العظيم كانت قلوب قادة اليقظة الاسلامية وابطالها كعبد الوهاب، ومحمد بن السنوسي، وجمال الدين، تشعر بجلالة الواجب  وتتقد من خطورة المشهد وروع المحفل غيرة على الاسلام والمسلمين».

 

ويسجل التاريخ ان الحركة الوهابية التي ضرب حصار عثماني شديد حولها تمكنت من اختراق هذا الحصار بفضل تواجد رعاتها في مكة خلال موسم الحج. فقد كان «الحج ميدانا صالحا وفرصة سانحة لعرض الدعوة على اكابر الحجاج واستمالتهم الى قبولها فإذا عادوا الى بلادهم دعوا اليه. فترى في زنجبار طائفة كبيرة من المسلمين يعتنقون هذا المذهب، ويدعون الى ترك البدع. وقام في الهند زعيم وهابي اسمه السيد احمد حج سنة 1822. وهناك آمن بالمذهب الوهابي وعاد الى بلاده وأنشأ بها شبه دولة. وكذلك حضر الامام السنوسي مكة حاجاً وسمع الدعوة الوهابية واعتنقها، وعاد الى الجزائر يبشر بها ويؤسس طريقته الخاصة في بلاد المغرب». واكثر من ذلك لا بد من القول ان كثيرا من الانشطة في المجتمعات الاسلامية كانت تتحرك على ايقاع حركة الحجيج ذهاباً واياباً من مكة واليها. وقوافل الحجيج الذاهبة من الغرب تستغرق ستة اشهر ذهاباً وستة اشهر اياباً وما ان تصل قافلة تكون قافلة الموسم التالي على أهبة التحرك. وعلى مسار خطوط القوافل كان حجيج المغرب يعقدون الاسواق للبيع والشراء في اسواق المدن والدول التي تمر بها. وفي الوقت نفسه تتم عمليات جمع الكتب وتوزيعها وتدور حلقات النقاش واتصال العلماء والكتاب ببعضهم بعضاً. وفي خضم هذه الحركة يكون متسع من الوقت لتناقل اخبار السياسة والاقتصاد واخبار المناسبات والاعلام المشهورين بين وفيات وزيجات وصدور كتب جديدة وخلافات ونقاشات ومجادلات، وبالتالي كانت قوافل الحجاج اكبر حركة بث واستقبال للانباء والآراء والافكار في العالم الاسلامي وذلك حتى منتصف القرن الحالي. حيث تبدلت وسائل النقل وتغيرت الخطوط وتعدلت قنوات الاتصال. مع ذلك فقد استمر الحج كمؤتمر سنوي حاشد وباعتقاد المسلمين ان مثل هذا المؤتمر مستمر حتى قيام الساعة يوم الحشر الاكبر.

 

ولم يكن للسلطنة العثمانية ان تفوت هذه المناسبة من دون ان ترفع الوية اعلان الولاء للسلطان. وقد كان الحجيج المتجمع في دمشق يشكل الموكب الرسمي السلطاني. فمن المعروف ان الحجيج القادم من اسطنبول ومناطق اخرى من آسيا وبلاد الشام يتجمع في دمشق ثم «يخرج منها الجميع بركب ضخم ومحمل فخم الى قضاء هذه الفريضة التي كانت وما تزال تؤلف بين قلوب المسلمين» .

 

ومن الواضح ان مثل هذا الموكب كان يعود بالفائدة على دمشق من الناحيتين الاقتصادية والمعنوية اذ لحق بها لقب «شام شريف». ولكن المعنى السياسي الاصلي لهذا كان في ان «الابهة التي بها موكب الحج تشعر الناس بارتباطهم بالسلطان خليفة المسلمين» . وهكذا فنحن امام موكب شعبي قادم من الغرب عبر مصر الى جدة عبر البحر الاحمر، وموكب رسمي سلطاني يتحشد في دمشق كنقطة انطلاق نحو مكة، وربما امكن القول عن موكب ثالث ينطلق من ايران والعراق وله طابعه الخاص لأنه قافلة الحجيج الشيعي. ومن المعروف ان الموكب الايراني ما زال من اكثر مواكب الحجيج تقيدا والتزاما وهو يأخذ على عاتقه دائما ابراز هويته الشيعية من ضمن عملية اعلامية متعددة الجوانب.

 

وهذه الاهمية للحج اضفت نفسها على الترتيبات الخاصة بالحج واعطتها اهمية سياسية واعلامية خاصة، من ذلك المحافظة على سلامة الطرقات وحفظ حرية التنقل. ولا يخفى ما لهذه الحرية من اهمية في انتقال المعلومات والافكار، اذ كان يكفي ان تتعرض قافلة الحجيج لغزو من البدو الرحل في منطقة مرورها حتى ينعكس ذلك على اهمية الوالي المحلي الذي يوكل اليه السلطان حفظ الامن في المنطقة. وهناك ما يتناسب بدرجة اهميته مع الحج من مثل زيارة العتبات المقدسة في العراق وايران بالنسبة للشيعة او زيارة القدس بالنسبة لعموم المسلمين والمسيحيين. ويتصل كلا الامرين بنوع خاص من التبادل الفكري والثقافي ومن تجدد واستمرار تيارات فكرية معينة. وهنا كانت اهمية السلاطين تتصل بتطويرها لادوات النقل وتوفيرها لوسائل الاتصال والتحرك. ويذكر في هذا المجال ان الشاه عباس (1588) قد اشتهر لكونه قام بتعبيد «الطرق في مختلف انحاء ايران وبنى فيها القناطر والخانات بشكل لم يسبق له مثيل...عدد الخانات بلغ الفي خان يتسع الواحد لمئات المسافرين مع دوابهم وحمولتهم ولم يكن يؤخذ اجر على ايوائهم فيها»  ذلك كله لتسهيل عملية التنقل للوصول الى العتبات المقدسة وتسهيل مهام الحجاج الايرانيين داخل ايران والى العراق والحجاز. ويذكر ان عدد الزوار للعتبات المقدسة في ايران والعراق يصل هذه الى الايام الى مليون زائر على مدار العام ومن جميع انحاء العالم الاسلامي .

 

من الاشكال الاعلامية التي تشبه الحج في مجال التبادل الثقافي وتقوم بدوره الاعلامي جزئيا، نجد ظاهرة تبادل الزيارات العلمية بين طلاب وعلماء المشرق والمغرب العربيين . وظاهرة اخرى وتتمثل بمراكز العلم التي تجمع طلابا من شتى ارجاء الاسلامي. ونجد ان المصلحين الاسلاميين البارزين قد تنقلوا بين هذه المراكز . واما الظاهرة الثالثة فتتمثل بالرحالة حيث يرى البعض في عمل الرحالة المسلمين القدماء ما يشبه اعمال الصحافيين المعاصرين من حيث تقاريرهم الاخبارية عن المناطق التي زاروها كما حصل مع المسعودي الذي وضع عدداً يصل الى 33 كتاباً بعضها مؤلف من 20 الى 30 جزءاً. وقد تميز انتاجه بالسرعة وبتنوع موضوعاته، بل ان المسعودي لجأ الى الكتابة في الموضوع الواحد عدة كتب وذلك بهدف التبسيط للقارئ العادي ثم ليقدم المعلومات نفسها بأسلوب اعمق ومكثف للعالم المتخصص. وفي هذا المجال تأتي رحلات ابن بطوطة كنوع من الصحافة الشعبية المعروفة هذه الايام. وللملاحظة في اسلوب ابن بطوطة نجده مثلاً يقدم ما هو مدهش وغريب وفي الآن نفسه ما يثير الحمية والحماسة الدينيتين. وقد ترك بعض الملاحظات والافكار التي ما زال المتحمسون للوحدة الاسلامية يقدمونها مادة في الدعاية لفكرتهم، ومنها قوله انه في «رحلته الطويلة لم يمر الا بأمم وجاليات اسلامية وانه لم يطلع عليه الفجر في يوم من ايام الرحلة الا على آذان المؤذن، ولم ينم مرة الا بعد صلاة العشاء في جامع». ثم يقول «انه لم يشعر بأنه غريب في اي بلد من هذا البلاد التي نزلها» . وفي ذلك القول يجد الباحثون دلالة على وحدة المسلمين من جهة كما نجد نحن فيها الدليل الواضح على ان اصحاب الجهاز الاعلامي الضخم الذي ربط بين «اجزاء هذا العالم الاسلامي بعضها ببعض انما هم اهل الرحلة من العلماء وطلاب واهل الرحلة من الحجاج».

 

جهاز اعلامي آخر ادى دوره المزدوج في تعميق اسلام مسلمي المناطق البعيدة من جهة وفي مد رقعة الاسلام الى مناطق جديدة من جهة ثانية ويتصل دوره بموضوعي الحج والرحلات لأنه احسن الافادة منها ويتمثل هذا الجهاز بالمتصوفة والطرق الصوفية، وخصوصية دورهم الاعلامي. هذا ربطهم حياتياً مع ارباب التجارة من جهة ومع اصحاب القوافل من جهة ثانية، وكلا الفريقين يقدم على مر العصور خدمة كبيرة لحركة التبادل الاعلامي والثقافي فالتجار وقوافلهم تحتاج الى الطرق الآمنة والى الاسواق المفتوحة والى مناطق اختلاط الالوان والاجناس ويهمها دائما توطيد الاوضاع في المناطق البعيدة عن المدن والمراكز وتوفير مستلزمات الحياة من ماء وخانات وطرق ونار الخ وبهذا المعنى كان التنظيم الصوفي متلائما مع هذه الحاجات فهو من جهة ينتشر افقيا عن طريق زوايا ينشئها المتصوفة في الواحات والارياف ومن جهة ثانية هو تنظيم هرمي يقوم على الانضباط بدءاً من شيخ الطريقة الى خلفائه ومقدميه ومريديه. وينوه في هذا المجال بالمتصوفة الجوالين الذين كانوا عبارة عن تجار يتحركون مع قوافلهم يدعون الى الاسلام في الوقت الذي يحققون فيه الكسب الذي يقوي تجارتهم ودعوتهم. وينشئ هؤلاء المتصوفة في ما بينهم ما يشبه الرابطة التجارية ويختصون بعضهم بالمعاملة والائتمان والثقة بل وبالمصاهرة. وعن طريق مثل هذه القوافل دخل الالوف في الاسلام خصوصا في افريقيا الاستوائية. بالاضافة الى هؤلاء الجوالين هناك الربط والزوايا التي تنتشر على شكل نقاط منعزلة ثم تتوسع تدريجياً لتلتقي حدودها مع بعضها بعضاً لتخلق شبكة من الاعلام والاتصال على درجة كبيرة من التماسك والتفاعل. ويقدر ان مثل هذه الجماعة المتصوفة بصنفيها الجوال والثابت قد اضافت الى العالم الاسلامي اكثر من نصفه سكاناً ومساحةً.

 

ومن الاعلام الاسلامي، الذي يشابه دور اعلام المتصوفة في افريقيا الاستوائية كان ذلك الاعلام والدعاية التي استهدفت المغول بعد غزوهم لديار الاسلام وقام بها شيوخ ودعاة لم يترك لنا التاريخ اسماءهم. وهكذا نجد انه حتى في ايام «خانات المغول الكبار: جنكيزخان واوجوناي، كانت عاصمتهم قرقورم* حافلة بالمساجد الى جانب الكنائس التي عمل على بنائها دعاة مسيحيون وكذلك معابد البوذيين...» والذين قاموا بهذا العمل لم تدفع بهم حكومة ولم يتلقوا اجراً على ذلك.

 

* تقع في وسط ما يعرف اليوم بجمهورية منغولية الخارجية شكال الصين على بعد آلاف الكيلومترات عن دار الاسلام التي كانت تحت وطأة الغزو المغولي.

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع