|
هل
أصبح الانقسام آفة عربية؟
د وحيد عبد
المجيد
ياله من مشهد
بائس على امتداد خريطة العالم العربى وأينما وقعت عيناك مشهد
هو مزيج من التخلف بمختلف أشكاله، والتسلط فى كثير من أنماطه،
والفساد بكل أنواعه، واليأس من مستقبل قاتم وفى ثنايا هذا
المشهد العام صراعات تتصاعد وصدامات تشتد فى داخل بعض بلاد
العرب، منذرة بحروب أهلية أو ما يشبهها فى العراق والسودان حيث
تغطى رائحة الموت على ما عداها، وفى لبنان حيث يطل شبح الحرب
الأهلية مجددا، وفى فلسطين التى لا يكفيها جحيم الاحتلال ليضاف
إليه سعير الانقسام المتزايد بين حركتى فتح و حماس إنه
الانقسام إذن يضاف إلى التخلف والتسلط والفساد واليأس ولكنه
ليس مجرد مرض يضاف إلى قائمة أمراض، وإنما هو المرض الذى يترتب
على كل تلك الأمراض حين يستعصى على العلاج ويقود إلى الهلاك
فالانقسام ليس صنفا واحدا، بل صنفان أحدهما قابل للحل عبر
الحوار والحل الوسط والتوافق، وآخر يستعصى على أى حل لأن
المصابين به ليسوا أهلا لحوار مثمر ينتج تسويات يتم التوافق
عليها والانطلاق منها لتحقيق التفاهم أو التراضى العام
Consensus ولذلك فليس كل انقسام هو مصدر خطر بالضرورة وما أكثر
الانقسامات بين خلق الله فى بلاده المنتشرة على أرضه الواسعة،
إذا اعتبرنا الانقسام أعلى مراحل الخلاف الذى هو سنة من سنن
الله فى الكون فكثيرا ما يؤدى الخلاف إلى انقسام وقليلا ما
يمثل الانقسام خطرا تجزع له الأفئدة فلا يأتى الخطر إلا إذا
افتقد المنقسمون القدرة على الحوار والحل الوسط والتوافق فهذه
الثلاثية هى الدواء الشافى من الانقسام حتى إذا اعتبرناه مرضا
يصيب البلاد والعباد، وليس مجرد مرحلة متقدمة من مراحل الخلاف
حين يشتد ويتصاعد وهذه قاعدة عامة تنطبق فى كل مكان وعلى أى
بشر، وليس فقط على العالم العربى فالانقسام، إذا، ليس من سمات
السياسة العربية، ولا غير العربية فهو يحدث لأسباب معلومة،
ويشتد أثره لعوامل معروفة، ويصبح مصدر خطر فى ظروف محددة
والعرب ينقسمون على أنفسهم، مثلهم فى ذلك مثل غيرهم فى هذا
العالم ولكن إذا لم يكن الانقسام سمة عربية، فهو يتحول إلى خطر
فى بلاد العرب بصفة خاصة لأن الحوار والحل الوسط والتوافق ليست
من سماتنا والفرق بيننا وبين معظم من تصل خلافاتهم إلى حد
الانقسام هو أنهم يعرفون كيف يداوون أسباب هذا الانقسام
ويعالجون القضايا التى ينقسمون عليها، بينما نحن لا نعرف ولذلك
يخطىء من يظن أن خطر الانقسام مقصور على العراق وفلسطين ولبنان
والسودان والصومال فهذا خطر ماثل فى بلادنا العربية كلها
بدرجات متفاوتة فى العمق والمدى، ولكنه لم يصل إلى المستوى
الذى بلغه فى هذه البلاد التى يجمع بينها أنها الأكثر تعرضا
للتدخل الخارجى بأشكال مختلفة وأنماط متباينة كما يجمع بين
اثنين منها العراق ولبنان أنهما أكثر بلاد المنطقة، ومن أكثر
بلاد العالم، تعددا فى الانتماءات والهويات الدينية والطائفية
والعرقية هذا التعدد يمكن أن يكون خيرا إذا توفرت القدرة على
الحوار الموضوعى والتسويات المرضية التى تنتج توافقا يجعل
التنوع مصدر ثراء إذ تكمل كل جماعة دينية أو طائفية أو عرقية
الأخرى فى إطار من التعايش أو العيش المشترك ولكنه يصبح شرا فى
غياب الحوار والحل الوسط والتراضى العام، ويغدو مصدر خطر داهم
وإذا كان هذا الخطر بلغ مرحلة متقدمة فى البلاد التى سبقت
الإشارة إليها، فهو ليس فى مرحلة متأخرة فى باقى بلاد العرب
فقد أنتج التسلط والفساد والتخلف انقسامات كامنة أو مخفية تحت
السطح بانتظار لحظة تنفجر فيها قد تكون هذه اللحظة مرتبطة
بالخلافة فى بلاد يبدو مستقبلها مجهولا، أو بصدام طائفى يخرج
عن السيطرة سواء كان مسلما مسيحيا أو سنيا وشيعيا، أو
بمواجهة بين سلطة الدولة ومجموعات من المعارضة فالقاسم المشترك
بين بلاد العرب كلها هو افتقاد المناعة تجاه خطر الانقسام بسبب
غياب الأدوات التى توفر مثل هذه المناعة، وهى القدرة على
الحوار البناَّء الذى يقود إلى حلول وسط للخلافات التى تثير
الانقسام، وبناء توافق على أساس من هذه الحلول بما يحقق
التراضى العام Consensus ولذلك فالأزمة التى تواجه البلاد
العربية على صعيد العلاقة بين حكوماتها الداخلية ليست أزمة
انقسام بالأساس، وإنما أزمة حوار وحلول وسط للخلافات التى تصل
بين هذه الحكومات إنها أزمة غياب التراضى العام الذى لا تكون
للدولة دولة بدونه، ولا يمكن تحقيق ديمقراطية حقيقية إلا فى
وجوده هذا التراضى لا يعنى اتفاقا على كل شىء، وإنما على ركائز
تمثل البنية الأساسية للدولة والمجتمع نتوافق عليها ونختلف
بعدها فى كل ما يعّن لنا أن نختلف عليه والتراضى العام، الذى
يتركز بهذا المعنى فى مقومات الدولة والمجتمع، ينصرف أيضا إلى
المبادىء الأساسية التى يقوم عليها النظام السياسى والاجتماعى،
والمحددات الرئيسية لتنظيم العلاقة بين أطرافه، سواء بين الحكم
والمعارضة، أو بين قوى المعارضة بعضها البعض، وهو ما يعرف
عموما بقواعد اللعبة فلا فرق فى الجوهر بين التنافس السياسى
والثقافى والفكرى والتنافس فى أى مجال من مجالات الحياة ولا
يستقيم أى تنافس بدون قواعد ينطلق منها المتنافسون ويعودون
إليها كلما اقتضى الأمر فإذا لم يرتض فريقان، وهما فى الملعب،
القانون الذى ينظم اللعبة ينتفى أهم مقومات التنافس وتنهار
المسابقة التى يلعبان فى إطارها وكذلك الحال إذا ارتضى أحدهما
هذا القانون، بينما أراد الثانى تطبيق قانون ينظم لعبة أخرى
مختلفة وعلى سبيل المثال، فمن الصعب أن نمضى قدما نحو إطلاق
التنافس السياسى دون قيود فى غياب تراضى عام على بعض من أهم
مقومات الدولة مثل موقع الدين فيها، وحدود العلاقة بينهما ومما
لا يقل أهمية عن ذلك، حتى إذا بدا للبعض أنه أمر ثانوى، أن
يكون هناك تراض عام أيضا على المبادىء العامة للنظام الاقتصادى
بغض النظر عن اتجاه هذا النظام إلى اليمين أو اليسار أو ما
بينهما، وسواء كان هذا النظام قائما على السوق أو معتمدا على
الأوامر المركزية ولهذا التراضى العام أهمية محورية فى النظام
الديمقراطى تحديدا، حيث لا مجال له فى النظم غير الديمقراطية
التى يفرض فيها نظام الحكم ما يرتضيه هو دون غيره فى الغالب
الأعم فالتراضى هو بطبيعته عمل من أهم الأعمال الديمقراطية، بل
يجوز القول إن العمل المؤسس لأى ممارسة تستحق أن توصف بأنها
ديمقراطية، وذلك لسببين أولهما أنه يتحقق عبر حوار لا يمكن أن
يستمر ويثمر بدون التزام حقيقى بالديمقراطية من أطرافه كافة
فالسعى إلى بناء توافق على مبادىء عامة للدولة والمجتمع
والنظام السياسى والاجتماعى ليس سهلا، بل هو أصعب حلقة من
حلقات التطور الديمقراطى، لأنه يقتضى تنازلات متبادلة بين من
قد يعتبر كل منهم أن ما لديه خير مما لدى غيره وقد يكون بينهم
من يظن أن الحقيقة المطلقة طوع يديه وهذا النوع من الحوارهو
الأكثر تعبيرا على الإطلاق عن فحوى الديمقراطية باعتباره مزيجا
فريدا من الحرية والمسؤولية فلكل من يشارك فيه مطلق الحرية
فيما يطرحه ويسعى إليه، بما فى ذلك أن ينسحب إذا لم يقبل غيره
ما يريده، أو أن يقلب مائدة الحوار على رؤوس الجميع ولكنه لا
يفعل ذلك إذا لم يكن لديه حد أدنى من المسؤولية والإحساس
بالمصلحة العامة واستعداد لوضعها فوق المصلحة الخاصة والحزبية
والأيديولوجية أما السبب الثانى فهو أن ديمقراطية تفتقد هذا
التراضى تصبح صعبة المنال أو قابلة للتعثر السريع أو الانتكاس
الفورى فالديمقراطية لا تمارس فى الهواء، وإنما على أرض محددة
وإذا لم تكن هذه الأرض ثابتة فهي تميد بمن يقف عليها، مثلها فى
ذلك مثل المبنى الذى يرتفع بدون أساس ينهض عليه وأخطر ما يواجه
أى تطور ديمقراطى هو أن يظن أطرافه، أو بعضهم، أن الديمقراطية
هى بمثابة تنافس منفلت من أى قواعد ومعايير، وأن الشعب يختار
من يريده بين المتنافسين بمنأى عن إطار ينظم التنافس ويحدد ما
هو ثابت لفترة معينة وما هو متغير فالديمقراطية التى لا يتراضى
أطرافها على قواسم تجمعهم تحول كلا منهم إلى عدو كامل للآخر،
وتقوض الجامع الوطنى الذى ينبغى أن يجمعهم مهما يصل الاختلاف
بينهم والديمقراطية، بهذا المعنى، ليست غاية فى ذاتها وإنما
وسيلة لتحسين حياة المواطنين معنويا وماديا، والارتقاء بالوطن
الذى يجمعهم بكل ما يفصل بينهم من خلافات وهم لا يمكن، بداهة،
أن يكونوا مواطنين بدون وطن فإذا انفلتت الممارسة الديمقراطية
من أى قواسم، ومن أى قواعد، تحولت إلى ما كان الفيلسوف
الإنجليزى توماس هوبز يسميه حرب الكل ضد الكل التى لا تنتهى
إلا وقد تفكك الوطن أو إنهار ولا فائدة ترجى من أن نكسب
الديمقراطية لنخسر الوطن فلا نجنى إلا قبض الريح وهذا هو ما
يرتقى بالتراضى العام إلى مرتبة الفريضة الغائبة التى لا يعنى
بها أحد تقريبا حتى بخصوص تاريخنا العربى الحديث، وليس فقط
بشأن مستقبلنا وهل يمكن أن ننجح فى بناء تراضى عام على ما هو
آت ونحن فاشلون فى تحقيق ذلك بشأن ما مضى؟ فمازال التاريخ
العربى فى حال من الفوضى تتيح لكل من يريد أن يرويه على هواه،
أو يقرأه حسب مزاجه، أو يأخذ منه ويدع كما يشاء دون الالتزام
بأى قاعدة، أو يضيف إليه ما يرضى قبوله مهما كان فى ذلك من
تزوير فى ذاكرة الأمة فغياب التراضى العام، حتى على التاريخ
القريب، يفسح المجال لكل من يريد أن يرضى نفسه وميله أو
الاتجاه الذى يتعاطف معه والقاعدة الأولى هنا هى التمييز بين
أحداث التاريخ من حيث هى وقائع لا يجوز الاختلاف عليها أو
صبغها بلون معين عند روايتها، وتفسير كل منا لهذه الوقائع
وللعلاقة بينها مما يجوز الاختلاف عليه ومما تجدر ملاحظته أيضا
أن غياب التراضى العام بشأن القضايا الراهنة ينعكس سلبا على
تناولنا لما حدث فى فترات سابقة فالوصول إلى تراضى عام على
قضايا الحاضر يحد من التوتر المتزايد فى الساحة السياسية وفى
هذا التوتر يتحول أى خلاف إلى صدام يتبادل طرفاه الاتهامات
ويشيع فيه العنف اللفظى ويحاول كل منهما شيطنة الآخر أى اضفاء
كل الصفات الشريرة، وصولا إلى ممارسة العنف الجسدى ضده فى بعض
الحالات ولا يقتصر ذلك على الحاضر، وإنما يمتد إلى التاريخ
الذى تتأثر النظرة إليه بالصراعات الراهنة التى يزداد انفلات
بعضها فى غياب تراض عام يشمل، ضمن ما يشمله، قواعد إدارة هذه
الصراعات لتصبح عونا للتطور الديمقراطى وليست عبئا عليه وحين
يتوفر تراض عام على مقومات هذا التطور فى الفترة القادمة،
سينعكس إيجابا على تناولنا للتاريخ، وخصوصا الطريقة التى يقرأ
بها كل منا تاريخ خصومه السياسيين وعندئذ يقل الترصد ومايقترن
به من اتهامات متبادلة فى قضايا الحاضر والمستقبل، وفى أحداث
الماضى على حد سواء وحين يحدث ذلك، سيكون ممكنا حل الخلافات
بين أى طرفين قبل أن تصل إلى مستوى الانقسام، أو معالجة هذا
الانقسام إذا حدث قبل أن يصبح مصدر خطر شديد على هذا البلد أو
ذاك من بلادنا التى وصل الخطر فيها إلى مستوى يهدد وجودها،
وخصوصا العراق المهدد بالتقسيم، وفلسطين المهددة قضيتها
بالتصفية، ولبنان الذى يبدو مصيره مجهولا |