|
سيناريوهات ما بعد الحرب
الإسرائيلية- اللبنانية
حرب جديدة.. أم تسوية شاملة؟
أمين هويدي: سقوط نظرية (القنفذ) الأمنية الإسرائيلية بسبب صواريخ حزب
الله
بطرس غالي: أميركا تملك التأثير الأكبر في أي تسوية شاملة وبدونها لا
سلام
عصمت عبدالمجيد: إن صمود المقاومة ساهم في اقناع الادارة الاميركية
باستحالة ان تحقق إسرائيل انتصاراً حسب النمط الذي كان سائداً
تحقيق:
شريف سعد الدين
سامي راغب
نصر أبو الحسن
المحرر: محمد السخاوي
هل بات الطريق إلى السلام في المنطقة مفتوحاً بعد نزيف الدم على الجبهة
اللبنانية الإسرائيلية، أم أن الاستعدادات تجري لحرب جديدة، حتى يتمكن
طرف من فرض إرادته على الطرف الآخر؟
هذا هو السؤال الذي يحلق في المنطقة حالياً، وبعد أسابيع من تطبيق
القرار 1701 على الأرض، وانتشار قوات الجيش اللبناني على الحدود، فيما
تتوالى وصول القوات الدولية الجديدة والتابعة لـ (اليونيفيل)، وواقع
الحال أن المنطقة تمر بمرحلة مفصلية مهمة حتى أنه يمكن التأريخ لمرحلة
ما قبل الحرب بين إسرائيل وحزب الله وما بعدها، فقد تغيرت أوضاع كثيرة
في لبنان سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، ومن المتوقع أن تتفاعل
الأوضاع الداخلية لتفرز شكلا جديداً سواء عن طريق الانتخابات
البرلمانية أو عن طريق تعديلات قد تحدث على خارطة التحالفات الحزبية،
والأمر نفسه يحصل في إسرائيل التي صارت مرشحة لتحولات كيفية، إن لجهة
بدء تحقيقات واسعة في صفوف القيادات العسكرية، وبخاصة وزير الدفاع
ورئيس الأركان وقائد الجبهة الشمالية ورئيس الاستخبارات العسكرية
لمعرفة أسباب الخسائر الكبيرة التي تعرض لها الجيش الإسرائيلي، لاسيما
في الأيام الثلاثة الأخيرة قبل وقف القتال، ومع توسيع جبهة الحرب
البرية حيث سقط نصف عدد القتلى العسكريين واربعين بالمئة من الخسائر في
المعدات. يأتي ذلك في الوقت الذي لاحت فيه بشائر تسوية سياسية شاملة.
فأمير قطر الذي زار بيروت قال «إن الفرصة صارت سانحة أكثر من أي وقت
مضى لتحقيق السلام في المنطقة» فيما أشار وزيرالدفاع الإسرائيلي إلى
أنه بعد كل حرب تحدث تغيرات سياسية تفرض المفاوضات، وقد شكلت إسرائيل
لجنة في وزارة الخارجية معنية ببحث الملف السوري، وهي إشارات لاحتمالات
أن يحدث تحرك ديبلوماسي عن طريق طرف ثالث، فوزير الأمن الإسرائيلي لم
يستبعد إمكان التفاوض مع سوريا على مشكلة الجولان بشرط عدم التفريط في
حق إسرائيل في الحصول على المياه.
وردت سوريا على لسان رئيسها الدكتور بشار الأسد بأنها تدعو إلى السلام
حتى وإن كانت تؤيد وتدعم المقاومة، وفي السياق نفسه أكدت المصادر
السورية إمكان بدء مرحلة جديدة من المفاوضات مع إسرائيل من النقطة التي
توقفت عندها العام 1997 في واي بلانتيشن، بينما حصلت أيضا تحركات
داخلية تعكس إشارات ضوئية لاحتمالات بدء مفاوضات فلسطينية- إسرائيلية
إذا تم الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون لديها صلاحيات إدارة
التفاوض مع إسرائيل، بغية فك الحصار، وايقاف عمليات الاغتيال اليومية،
وطرح آفاق جديدة للتسوية وفق ما ورد في وثيقة الأسرى والميثاق الوطني.
هذه الإشارات الإيجابية لا تخفى ما يتردد عن أنباء الاستعدادات لشن حرب
جديدة في المنطقة، فوزير الدفاع الإسرائيلي الذي كان أول من تحدث عن
فرصة للتفاوض مع سوريا، هو نفسه الذي طالب حكومته بالاستعداد لخوض جولة
جديدة من الحرب مع حزب الله في أقرب فرصة، وقد فسر المراقبون هذه
العبارة بأنها ثلاثة أو أربعة شهور مقبلة، وعزا المراقبون هذا التصريح
إلى أن إسرائيل لم تحقق أهدافها من الحرب، وإن صواريخ حزب الله وقواعده
ومقاتليه مازالوا يمثلون تهديداً لشمال إسرائيل حتى في ظل انتشار الجيش
اللبناني، وقوات اليونيفيل، فحسب دان حالوتس رئيس الأركان فان سوريا
يمكن أن تعوض حزب الله بالأسلحة، كما أن إيران توفر تدريبات رفيعة
المستوى للمقاتلين، لذا تزايدت المطالب الإسرائيلية- الأميركية-
الفرنسية بفرض قوات دولية على الحدود اللبنانية- السورية، وهو ما
اعتبره الأسد حالة عدائية، تستوجب إغلاق الحدود من الطرف السوري، ما
يسبب متاعب بالجملة للشعب اللبناني.
والحرب- بطبيعة الحال- ليست عسكرية فحسب، فهناك تداعيات عربية- عربية
خلفتها الحرب الإسرائيلية مع حزب الله لعل أبرزها ما يمكن تسميته بظهور
محورين واضحين، المحور الإيراني- السوري مع فصائل المقاومة في لبنان
وفلسطين، ومحور سعودي مصري أردني مع السلطة الفلسطينية وبعض الأحزاب
اللبنانية، ودخلت المنطقة في حرب إعلامية وديبلوماسية لعل أخطرها ما
قاله وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل من أن دولا عربية تفضل
علاقاتها مع أطراف أخرى على حساب مصلحة العرب أنفسهم، وكان يرد بذلك
على ما جاء في خطاب الرئيس السوري الذي انتقد فيه حكومات عربية، وصفها
بأنها قدمت غطاء للعدوان الإسرائيلي، وآثار وصفه لبعض المواقف بأنها
«مواقف أنصاف رجال» موجة من الغضب في دوائر سياسية عربية، نصحت بأن
الظروف الحالية تحول دون المزايدات.
ماذا سوف يحصل في المستقبل القريب؟
أي السيناريوهات سوف يترسم بواقعية على الأرض، وما هي المشاريع
المرسومة للمنطقة، وما هي البدائل العربية للخروج من الحالة الراهنة أو
بالأحرى استثمار صمود المقاومة والشعب اللبناني من أجل حل شامل للصراع
على كل الجبهات؟
(النور) طرحت السؤالين على عدد من الخبراء في الشؤون السياسة والعسكرية
والاقتصادية، وخرجت بهذا التحقيق.
حصاد الحرب.... سلام أم حرب جديدة
(قتال.. قتال) ثم (كلام... كلام) هذه هي المعادلة التاريخية في الصراع
بين القوى والدول منذ بدء التاريخ، أي أن الصراع العكسري لا بد وأن
يحسم بالتفاوض مثلما حصل على جبهة القتال بين مصر وإسرائيل، حيث بدأت
المفاوضات المباشرة بعد أربعة أعوام من الحرب عن طريق ما سمي وقتها
مبادرة السادات، أي زيارته التاريخية للقدس، وإلقاء خطاب في الكنيست
عبر فيه عن موقف بلاده من التسوية السياسية، وبدأت رحلة طويلة من
معاناة المفاوضات التي لا تقل صعوبة عن معاناة الحرب إن لم تكن أصعب.
هكذا يفتتح رئيس الاستخبارات ووزير الحربية المصري الأسبق أمين هويدي
قراءة سيناريوهات المستقبل القريب، حيث أكد على ثلاثة أوضاع أحاطت
بالحرب الإسرائيلية على لبنان هي:
1-إن موازين القوى كانت مختلة تماماً، وليست في صالح الطرف العربي،
فالجيش الإسرائيلي اعتمد على سلاح الجو الذي تفوق بشكل كاسح على وسائل
الدفاع التقليدية التي يمتلكها الجيش اللبناني، وبعض الصواريخ أرض جو
التي يمتلكها حزب الله، واعتمد الجيش الإسرائيلي على سلاح البحرية التي
كانت تقصف المدن بمدفعية ثقيلة مداها 40 كيلو متراً .
كما اعتمد أخيراً الجيش على القوات البرية المدرعة بدبابات ميركافا
وحاملات الجند، بغية احتلال الشريط الحدودي بعمق 12 إلى 20 كيلو متر
بحيث يتوقف عند الحد الجنوبي لنهر الليطاني، وبذلك يكون قد نظف القرى
الحدودية من رجال حزب الله وصواريخه.
2- إن الموقف العربي انقسم على نفسه حيث انتقدت- وربما أدانت- بعض
الدول العربية عملية خطف الأسيرين الإسرائيلين من داخل الأراضي من خلال
عمليةجزئية نفذها حزب الله ، ونجح خلالها في قتل سبعة جنود آخرين، فبات
الأمر بالنسبة لأسرائيل أشبه بنكسة عسكرية محدودة، وقد شجعت بعض الدول
العربية (وإيران) حزب الله، وتوقع الجميع عملية إسرائيلية محدودة، قد
تشمل ضرب بعض مواقع حزب الله، أو الاقتحام البري بوحدة عسكرية صغيرة
وأسر بعض مقاتلي الحزب، لكن رد الفعل الإسرائيلي جاء مفاجئاً وعنيفاً
وشاملاً، فساهم في تعميق الخلاف العربي، فضلاً عن خلافات داخلية
لبنانية ساهمت العملية الإسرائيلية في تعميقها.
3- إن الموقف الدولي بشكل عام كان ضد حزب الله، باعتبار أن الحزب اخترق
الخط الأزرق، وقام بعمليته داخل الحدود التي أقرها القرار الدولي 425،
وبالتالي أصبح لبنان في نظر القانون الدولي «دولة معتدية» ومن هنا لم
تجد أية حماسة لدى الدول المشاركة في قمة بطرسبرج في روسيا (الدول
الثماني الصناعية الكبرى) التي لم تطالب بوقف الحرب، بل إن هذه النقطة
أعطت لأميركا وبريطانيا مستنداً لعدم المطالبة بوقف الحرب، ومن هنا
استمرت الحرب33 يوماً، وهي أطول حرب عربية- إسرائيلية.
لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سوريا
وفي ضوء هذه المعطيات وقعت الحرب واسفرت عن النتائج التالية:
1- نكسة لإسرائيل وليست هزيمة، والفرق هنا هو أن النكسة تعني خللاً
عسكرياً في الخطط أو الأداء أو الظروف حال دون تحقيق الهدف فانقلبت إلى
ضده، بيد أن الهزيمة هي مفهوم شامل، أي هزيمة نفسية ومادية وهزيمة
للمشروع السياسي، ومن الصعب أن نقول :إن إسرائيل هزمت في الحرب أو أن
حزب الله هزمها، هو فعلاً حقق نتيجة عظيمة، لكن في إطار أنه حزب يحارب
حرب عصابات، وهو لم يفرض إراداته على إسرائيل أو يفرض شروطه، لكن مجرد
صموده لمدة شهر هو في حد نفسه انتصار معنوي وأدبي ونفسي.
2- صدر القرار 1701 وهو في اعتقادي يحمل ضمناً مشروع للتسوية بين لبنان
وإسرائيل، ولذلك تحدث الرئيس فؤاد السنيورة عن إحياء اتفاقية الهدنة
التي تعني وقف جميع أشكال الصراع مع إسرائيل بدون توقيع معاهدة سلام،
باعتبار أن لبنان له رأي هو أنه سيدخل عملية السلام مع سوريا وفلسطين،
وأعتقد أن إسرائيل باتت على قناعة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأهمية
التوصل إلى اتفاق سلام مع سوريا، بالنظر إلى فشل نظرية الأمن
الإسرائيلية التي تحمل اسم (القنفذ)، أي أن الحدود بما في ذلك
المستوطنات هي الأشواك التي تحمي الجسم الإسرائيلي، فإذا بالصواريخ
تضرب الجسم مباشرة، وهناك قناعة لدى هيئة الأركان الإسرائيلية بأنه إذا
استطاعت حركة حماس تطوير قدرات صواريخ القسام، فإن أمن إسرائيل سيكون
مهدداً من الشمال (لبنان) ومن الجنوب (فلسطين) وأن سوريا هي التي توقف
خلف تمويل هاتين المنظمتين، وبالتالي من الأفضل التوصل إلى اتفاق سلام
معها حتى تتوقف عن هذا الدعم.
3- إ ن نتائج الصمود اللبناني الشامل ( الحزب- الحكومة- الشعب) أدت إلى
تغيير الصورة بشكل كبير، وبخاصة على الصعيد الأوروبي حيث حصل تعاطف
فرنسي- إيطالي- ألماني- مع لبنان مقابل التطرف الأميركي- البريطاني وقد
حصل ضغط شعبي رهيب على رئيس وزراء بريطانيا طوني بلير، كما ظهرت في
الصحافة الأوروبية تعليقات تفيد بضرورة تغيير الأسلوب السائد في
التعامل مع العرب، كما ظهرت انتقادات في صفوف جنرالات أميركيين
متقاعدين لسياسة بوش الخارجية بخاصة في المنطقة العربية، وشكلت هذه
المتغيرات تأثيراً على التوجهات الأوروبية حيث نشطت فرنسا لتعديل
المشروع الفرنسي- الأميركي الأول، واستوعبت المطالب السبعة التي أعلنها
السنيورة كما لم تعترض واشنطن أو لندن على التعديلات التي تم إدخالها
على المشروع، والتي تمثل إنجازاً للدبلوماسية اللبنانية والعربية في
آن.
4- في ضوء ذلك أرى أنه سيتحرك قطار التسوية، أو هو مرشح للتحرك بشرط أن
لا يتدخل المتطرفون في إسرائيل فيشعلون الجبهة مرة أخرى بدعوى وضع
الطرف اللبناني تحت ضغط بحيث يجبر على قبول الشروط التي لم تجد مجالاً
في الحرب السابقة بسبب صمود حزب الله، وهنا يكون الإسرائيليون قد وقعوا
في الخطأ، ولم يستوعبوا الدرس، بخاصة وأن الشعوب اثبتت أنه لا يوجد قوة
في الأرض تستطيع أن تفرض إرادة بقوة السلاح، وقد سقط اتفاق 17 آيار –
مايو - 1983 بالضربة القاضية، لأنه لم يعكس توافقاً شعبياً حوله، كما
أن الأطراف الإقليمية الفاعلة (سوريا) لم ترض عنه، لذلك من المفيد أن
نقول إنه لا حرب شاملة في المنطقة بدون مصر، لكن لا سلام شامل في
المنطقة بدون سوريا، هذه الحقيقة أطلت برأسها مجدداً مع الحرب الأخيرة،
فحزب الله يحصل على الأسلحة من سوريا وإيران، وبالنسبة لإسرائيل بدلاً
من خوض حرب جديدة والدخول في مجال الكراهية العربي من جديد عليها أن
تدرك أن الحرب الجديدة قد تتسع لتشمل سوريا وفلسطين أيضاً، وأن أحداً
في المنطقة لم يعد يحتمل هذا الصراع باهظ التكاليف.
مشروع أميركي لتسوية سلمية على باقي المسارات
ويتوقع الدكتور عصمت عبدالمجيد الأمين العام السابق للجامعة العربية أن
تدخل المنطقة في حالة سلام جديدة، بناء على رغبة الأطراف كافة في
التعايش، بعدما اثبتت الحرب الأخيرة أن الاعتماد على نظرية الردع
العسكري لا تفيد بالنسبة لإسرائيل أو أميركا، وأن حزباً صغيرا لا يزيد
عدد مقاتليه عن 3 أو 4 آلاف رجل استطاعوا استنزاف الجيش الإسرائيلي
الذي يعد رابع جيش في العالم من حيث القدرة، وأوقعوا فيه خسائر بشرية
ومادية كبيرة، لذلك فإن أهم نتائج الحرب الأخيرة هو إدراك الجميع بأن
اللجوء إلى تعايش مبني على حماية حقوق كل طرف سيكون مفيدا أكثر من
انتزاع هذه الحقوق أو غيرها بالقوة، وهذا ما فهمته من عبارة كوندليزا
رايس من أن الإدارة الأميركية لديها تصور للمنطقة يقوم على ثلاثة أركان
هي:
1- احتواء سوريا من خلال حل أزمة احتلال الجولان، وعزل إيران، أي تفكيك
التحالف القائم حاليا، والذي يشكل أهم مصادر تسليح وتمويل حزب الله.
2- إعادة حركة فتح إلى السلطة في فلسطين، ومنع حركة حماس أو غيرها من
الفصائل الفلسطينية من الإنفراد بالقرار وحدها، وبحيث يمكن تنفيذ
المشروع الأميركي بإقامة دولتين على أرض فلسطين.
3- تحويل حزب الله إلى حزب سياسي من خلال منع مصادر التمويل والتسليح،
ومن خلال الضغط السياسي الداخلي في لبنان، بحيث يكون قرار الحرب
والسلام في يد طرف واحد، وإذا تحقق ذلك تكون أميركا قد ضمنت مسألة
استراتيجية طالما تحدث عنها المفكرون في واشنطن وهي «تثبيت وجود
إسرائيل»، لأن إسرائيل لا تزال محل شك، ولاحظ كيف تحدث شيمون بيريز عن
أن الحرب على لبنان مسألة حياة أو موت، وهذا التعبير استعمله شارون من
قبل في مواجهة الانتفاضة الثانية والعمليات الاستشهادية التي وصفها
بأنها تهديد لوجود إسرائيل، ثم إن أميركا لو نجحت في تحقيق هذا الهدف
«تثبيت إسرائيل» سوف تستطيع أن تقول إنها اطمأنت إلى منابع النفط
العربية، لأن ثمة قاعدة متقدمة تستطيع حماية تدفق النفط.
* مقاطعا.. لكنك لم تتحدث عن العراق ضمن هذا السيناريو، ثم كيف تلجأ
أميركا إلى إسرائيل كقاعدة متقدمة، بينما لها وجود فعلي في جميع دول
الخليج، ودول أخرى في المنطقة؟
- العراق كانت النقطة الثانية بعد أفغانستان في نظرية نزع فتيل
الأزمات، أو ما يسمى الحرب الاستباقية، ولكن واشنطن تعرف أنها لن تظل
إلى الأبد في العراق، ولن يبقى لها من حليف استراتيجي سوى إسرائيل،
لماذا؟! لأن الإدارة الأميركية لا تثق في أي نظام عربي بما في ذلك
الأنظمة الصديقة لها حالياً، فهي لن تنسى أن مصر عبدالناصر كانت على
نقيض معها، ويمكن أن يتغير الحال في مصر بعد الرئيس مبارك، أو حتى, ما
الذي يجعلها تطمئن إلى الأوضاع في منطقة الخليج، إن الضمانة
الاستراتيجية عند أمريكا هي إسرائيل والديمقراطية، لذلك تدفع ثمنا
غالياً في العراق من أجل ايجاد نظام ديمقراطي يسمح بعلاقات حرة مع
العالم خالية من «العقد الايديولوجية»، وهي تحاول أيضا اقناع الدول
العربية وبخاصة مصر بضرورة الإصلاح الديمقراطي ليس من أجل مصلحة
المصريين، وأيضاً لكي لا يصل إلى السلطة في وقت ما جنرال مثل
عبدالناصر، يقود المواجهة ضدها.
استقطاب سوريا
* وكيف يتم تحييد سوريا أو استقطابها، بحيث تفك التحالف مع إيران؟
- واشنطن لم تبد أي ارتياح للتحالف بين دمشق وطهران، واتصلت بعواصم
عربية لكي تتدخل لدى الرئيس الأسد بهدف إقناعه بفك الارتباط مع إيران،
مع امكان تسوية قضية الجولان، ومساعدة الاقتصاد السوري على التحرر من
الهيمنة المركزية بما يسمح بدخول استثمارات أوروبية، وأن يعيش السوريون
في سلام، لكن الرئيس بشار الأسد لم يعد يثق بالإدارة الأميركية، ولذا
لم يدخل الحرب ضد إسرائيل في لبنان، ولم يعط موافقة على فك تحالفه مع
إىران، لأن هذا التحالف وفر لديه قدراً من الصمود في مواجهة التهديدات،
وقد جرب السوريون المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركا في مباحثات «واي
بلانتيشن» والتي كادت تتوصل إلى نتائج لولا التعنت الإسرائيلي، وقد
توصلوا إلى ما يسمى «وديعة رابين» التي اخفاها نتنياهو، ولم يعد هناك
أي حديث حولها منذ اغتيال رابين، وعاد ملف الجولان إلى نقطة الصفر،
والمهم هنا أن كونداليزا تمتلك جملة أو حزمة من الأفكار حول الشرق أوسط
الجديد، أهمها تفكيك التحالف السوري الإيراني الفلسطيني، والعودة مرة
أخرى إلى نظرية التعاطي مع كل مشكلة على حدة، وعدم الربط بين المسارات،
ومن هنا أعطيت إسرائيل الضوء الأخضر لضرب منظمة حزب الله بدون الدخول
في مواجهات أخرى، أو توسيع مجال الحرب بحيث يشمل سوريا وإيران، على
أساس أن هناك أساليب أخرى سورية- أميركية عبر وسيط هو مصر في الفترة
المقبلة سعياً إلى إبعاد سوريا من دائرة المواجهة، لأن هناك معلومات
لدى واشنطن أن أى حرب إسرائيلية على سوريا سوف تشعل المنطقة كلها،
فسوريا تحملت الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة بما في ذلك اختراق
المجال الجوي لها، حتى لا تدخل في مواجهة تشمل المنطقة برمتها، فالحرب
الإسرائيلية ضد حزب الله، وهدم المنشآت المدنية اللبنانية تظل - رغم
الضحايا والدمار- أقل خطراً من هجوم إسرائيلي على سوريا لن تستطيع
القيادة المصرية تحمل تبعاته، بخاصة وإن هناك نصاً في معاهدة السلام
المصرية الإسرائيلية يعطي اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر وسوريا
أولوية على معاهدة السلام الإسرائيلية، وبمعنى آخر إن مصر ستجد نفسها
ملزمة بالدفاع عن سوريا إذا تعرضت الأخيرة للخطر، ومن هنا نجد أنه منذ
العام 1973 لم تتعرض سوريا للعدوان، صحيح هناك استفزازات، وهناك
اعتداءات على القوات السورية التي كانت في لبنان، لكن لم تتعرض الأراضي
السورية لهجوم إسرائيلي على غرار ما حصل غير مرة مع لبنان، ومع فلسطين،
بل وقد حدث عدوان بالطائرات ضد المفاعل النووي العراقى (1981)، ومع ذلك
ظلت سوريا خارج دائرة الإستهداف الإسرائيلي الفعلي.
اسرائيل اوجدت حماس وحزب الله
ويرى الدكتور عصمت عبد المجيد أن هناك متغيرات عدة حصلت في الحرب
الأخيرة أدت إلى صدور القرار الدولي (1701) ويقول:
إن صمود المقاومة، ووقوع عدد كبير من الخسائر البشرية في صفوف الجيش
الإسرائيلي ومعداته، ساهم في اقناع الاداره الاميركية باستحالة ان تحقق
إسرائيل انتصاراً كاسحاً حسب النمط الذي كان سائداً من قبل، وهو الحرب
خارج الحدود، وفي أقل مساحة من الوقت، وتوجيه ضربة قاسية للخصم بحيث
تجعله لا يفكر مرة اخرى في الحرب، لكن ذلك كله لم يحصل، وظل الجيش
الاسرائيلي يضرب بكل قوته لمدة شهر، وانتهى الضوء الاخضر الاميركي على
حقيقة ان كل شيء تهدم في لبنان إلا حزب الله، وقد اعجبني هذا التعبير
الذي استعمله الرئيس نبيه بري، ومن خلال خبرتي كنت متأكداً ان اسرائيل
لن تحقق اهداف استراتيجية، ونزع سلاح حزب الله، فمثل هذا القرار لا
يكون بالقوة، بل بالتفاهم بين ابناء الوطن، واسرائيل هى التي أوجدت حزب
الله، وهي التي اوجدت حماس، فهي لم تستجب لنداءات السلام التي طالما
قدمتها القيادات العربية، واهمها مبادرة الملك عبدالله عاهل السعودية
والتي تضمنت حلاً شاملاً، وسلاماً دائماً مقابل الانسحاب الكامل من
الاراضي التي احتلت العام 1967، رفضت اسرائيل هذه المبادرة، وتعاملت
معها باستعلاء ففي اليوم الذي صدرت فيه، أمر شارون قواته باجتياح الضفة
الغربية، وارتكاب مجازر في حق المدنيين في مخيم جنين العام 2002، فاوقع
الحكومات العربية الكبيرة مثل مصر والسعودية في حرج بالغ، واثبت
للراديكاليين انه من الصعب اقامة سلام مع اسرائيل.
موت عملية اسرائيل
اذاً انت تتفق مع السيد عمرو موسى في أن مشاريع السلام في المنطقة
ماتت، وأن العودة إلى مجلس الامن مرة اخرى هو الحل الوحيد؟
من خلال خبرتي التي شملت نصف قرن من العمل الديبلوماسي في وزارة
الخارجية، والأمم المتحدة تأكدت أن أكثر مايزعج إسرائيل هو الحديث عن
سلام مع العرب.
وقد اكتشفت ذلك- للاسف- في وقت متأخر للغاية، وتحديداً العام 1991 في
مؤتمر مدريد، فقد بدا لي ان الاطراف التي كانت ممثلة في هذا المؤتمر
كلما سعت إلى اتفاق سلام كانت إسرائيل تجهضه بطريقة أو بأخرى، وتاكدت
ان «عقدة الخوف» لا تزال تتحكم في عقول قادة هذا الكيان، ومن الصعوبة
ازالة هذه العقدة، لقد تأكدت أيضا أن إسرائيل لديها الخطط العسكرية
الجاهزة لاجتياح سيناء في اي وقت، وكذلك الهجوم على الاردن، رغم وجود
معاهدات سلام، ولعلك تلاحظ ان انماط التسليح الجديدة في اسرائيل تفوق
طاقتها في شن حرب على الجماعات الفلسطينية او حزب الله، بل ان سلاح
الجو الاسرائيلي يتم تطويره كل ثلاث سنوات بحيث يستطيع ان يشن هجمات
سريعة في توقيت واحد على سوريا ولبنان والاردن، واضيف الى ذلك ايران،
ولست اعتقد ان مجتمعاً يمكن ان يعيش على عقدة الخوف، وقد حاولنا اكثر
من مرة اقناع الاطراف الاسرائيلية التي كنا نلتقيها، بخاصة شيمون بيريز
ان رد الحقوق العربية يمكن ان يسمح لكم بالعيش في المنطقة، وان اليهود
كانوا يعيشون آمنين في الدول العربية، لكنه كان يشدد دائما على حكاية
نزع السلاح، واقامة مناطق عازلة او آمنة مع كل دولة عربية، لاحظ ان
اسرائيل تقيم حالياً منطقة عازلة مع غزة حتى لا تسقط الصواريخ عندها،
وكانت اقامت السور العازل او الواقي مع الضفة الغربية، وهذا يثبت ان
اسرائيل ستتحول مع الأيام الى دولة داخل علبة كبريت.
إدارة بوش لا تعرف المنطقة جيداً
ومن جهته يعتقد الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة
أن الإدارة الأميركية لا تفهم جيداً طبيعة المنطقة، ولا تعرف طبيعة
الشعب العربي، لذلك تقترح أفكاراً نظرية، أي ليس لها ما يسندها في أرض
الواقع، والغريب هو أن عدداً كبيراً من الدول مقتنعة بالأفكار
الأميركية عن محاربة الإرهاب، وإلا كيف نفسر موقف دول كالهند وفرنسا
وإيطاليا وألمانيا اللامبالي.
تفسير هذه اللامبالاة في رأيي ترجع الى أحداث 11سبتمبر - أيلول، حيث
أدى هذا اليوم الى الخوف من الارهاب الاسلامي وأن القضاء على حزب الله
سيؤدي إلى القضاء على التيار المتطرف الاسلامي، التفسير الثاني هو تعب
وزهق الدول من قضية الشرق الأوسط، فالنتيجة التي يراها الجميع ان
المجهود الذي بذل على المدى البعيد منذ زيارة السادات للقدس العام 1977
من أجل تعزيز سياسة السلام والحوار والتعايش السلمي بين الأديان كل هذا
انهار لان المنظر الاسرائيلي القبيح الذي تمثل في امتلاكها للقوة
العسكرية التي لا تحترم المواثيق وحقوق الانسان.. هذا المشهد، له
تأثير، فعلي مدى 30 أو40 عاماً والنتيجة المرجوة لم تتحقق وبعد الاحداث
الاخيرة نحتاج الى جيل جديد يستطيع أن يبدأ المشوار من بدايته لايجاد
تسوية لهذه الازمة وهذا هو الثمن الحقيقي للأزمة، إن عملية السلام أجلت
للجيل القادم.
وعن اسباب تراجع الدور الأوروبي الغريب في الشرق الاوسط رغم الحماس
السابق الذي كانت تبديه بعض الدول قال:
** دون موافقة أميركا لا تستطيع أوروبا أن تلعب دوراً في المنطقة،
فالعملية السياسية في يد أميركا أما بعض المشكلات الأخرى في مناطق
متفرقة من العالم فيمكن ان تحل وتتحرك فيها أوروبا باتفاق مع أميركا
التي تعطي لها حق التصرف أما المشكلة الفلسطينية والاسرائيلية فليس لها
إلا وسيط واحد هو أميركا ودون موافقة هذا الوسيط فلا تسوية لهذه
الأزمة، لأن كل خلاف من الخلافات الدولية له سمات خاصة فمثلاً الخلاف
بين موريتانيا والسنغال لعبت فيه مصر دوراً كما لعبت فرنسا دوراً في
حله، أما المشكلة الفلسطينية واللبنانية والإسرائيلية فيمكن ان تعطي
الولايات المتحدة الأميركية مهام هامشية لدول أخرى ولكن الدور السياسى
الرئيسي تقوم به أميركا وحدها، ففي معاهدة السلام وإتفاقية كامب ديفيد
مع مصر لعبت أميركا الدور الاساسي حتى عندما رفض ويزمان ترك ثلاثة
مطارات إسرائيلية داخل سيناء وطلب تأجيرها من مصر ورفض الرئيس السادات
هذا الطلب قامت أميركا بتسديد نصف مليار دولار وقتها لبناء ثلاثة
مطارات أخرى داخل إسرائيل وهذه امكانيات ودور أميركا التي تساهم في حل
هذه المشكلات كما ان اللوبي اليهودي داخل أميركا يجعلها الوسيط الوحيد
للنزاع العربي الإسرائيلي.
ويرى غالي أن الأمم المتحدة هي الولايات المتحدة الأميركية, والتي
تسيطر عليها وعلى مجلس الأمن عن طريق حق الفيتو فالذي تقوله الأمم
المتحدة تقوله الولايات المتحدة التي استعملت حق الفيتو 20 مرة من قبل
واستعملته ضدي كأمين عام للأمم المتحدة لمنع إعادة انتخابي رغم تصويت
14 دولة لصالحي ووقفت الولايات المتحدة لتقول لا لانتخابي من جديد لذلك
فإن مستقبل السلام في المنطقة مرتبط بإدارة الرئيس بوش.
ومفتاح حل الأزمة في يد أميركا فالأسلحة التي تذهب الى إسرائيل هي
أسلحة أميركية والمساعدات التي تقدم إليها أميركية والحماية
الدبلوماسية هي حماية أميركية، ولا يوجد ما تريده أي دولة أكثر من ذلك
فإسرائيل هي بمثابة ولاية أميركية، فلو أرادت اميركا ان تحل المشكلة
وفقاً لأسلوب كامب ديفيد وتجمع الاطراف تضغط لايجاد اتفاق سلام، يمكنها
أن تؤدي وتطبق نفس ما فعلته من قبل.
التطرف العربي يفيد إسرائيل
واعتقد أن الإدارة الأميركية تراجع حاليا بعض التصورات، وقد تردد كلام
عن مشروع مصري- سعودي- أردني عرض على الإدارة الأميركية يتضمن حلاً
شاملاً للأزمة ينبثق من مبادرة الملك السعودي عبدالله التي أطلقها في
مؤتمر بيروت 2002، وهي التي تتضمن إعادة إسرائيل جميع الأراضي التي
احتلت العام 1967 مقابل السلام الشامل المشفوع بالتطبيع مع العرب، وهذا
تصور معقول ومنطقي، ومشكلته هو أن بعض التيارات العربية المتطرفة تطالب
بإزاحة إسرائيل من الوجود، وميثاق بعض المنظمات العربية لا يتضمن
اعترافاً بإسرائيل، كما أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد دعا إلى تصفية
دولة إسرائيل، ومثل هذه الأفكار هي التي تجعل إسرائيل ومن ورائها
أميركا ترفض التعاطي مع المبادرة العربية السعودية أو المقترحات
المصرية السعودية الأردنية، فإسرائيل تقول للعالم: اسمعوا هؤلاء العرب
المتطرفين الذين يريدون القاء دولتنا في البحر وإسرائيل ممتازة في
العلاقات العامة، وتستطيع أن تسوق تصريحاً متطرفاً لزعيم إيراني أو
عربي وتروجه باعتباره يشكل تهديداً لأمنها، واعتقد أنه لو كان هناك
تصور تجمع عليه الحكومات والشعوب العربية لأسلوب التعامل مع إسرائيل
لانتهت الأزمة بسلام، وهذا ما نطالب به حاليا، نحن نطالب بتصور لبناني-
لبناني مشترك، ثم تصور مصري- سوري- سعودي- أردني مشترك، ونطالب ليبيا
بأن تدعم مشروعاً للسلام وكذلك باقي الدول العربية، لأن إنهاء المشكلة
من جذورها سيوفر على العرب ميزانيات الحرب وشراء الأسلحة، ويوظفها في
عمليات التنمية، كما أن إنهاء الحرب مع إسرائيل سيوقف التدخل الأميركي
المباشر في شؤوننا، ويجعلنا في غنى عن كل هذه المهاترات، لذلك أرى
ضرورة تكثيف الحوار العربي- الأميركي في المرحلة المقبلة لاقناع
الإدارة الأميركية بأن أصل المشكلة هي فلسطين، وأن باقي الأمور بما في
ذلك الجولان ومزارع شبعا واللاجئين هي تفاصيل يمكن حلها على طاولة
المفاوضات في ظل مناخ ثقة ورغبة في التعايش، وليس في ظل التصعيد
التسليحي والعسكري وعمليات المقاومة، فكل هذه العمليات لم تحقق شيئاً،
في حين أن اتفاقية أوسلو ادخلت نصف مليون فلسطيني إلى الضفة والقطاع،
واوجدت سلطة أو حكومة فلسطينية تستطيع التعامل مع العالم،أقصد أننا
بحاجة إلى قدر من العقلانية وليس التطرف، لأن إسرائيل هي التي تستفيد
من التطرف.
ما هي مهمة قوات حفظ السلام في جنوب لبنان؟
وحول مهمة قوات حفظ السلام «اليونفيل» في لبنان قال د. عبدالعظيم محمود
حنفي الخبير في الدراسات الاستراتيجية.
واقع الأمر أن الطبيعة العسكرية لعمليات حفظ السلام تتجلى في جانبين
رئيسين والجهة أو الجهات التي يناط بها تنفيذ أعمال حفظ السلام عادة ما
تكون عسكرية في الشق الأكبر منها، فهي قوات غير محاربة تخصصها الدول
الأعضاء بناء على طلب الأمم المتحدة تحت تصرف مجلس الأمن في مناطق
الصراع لأداء مهام حفظ السلام.
كما أن معظم الأهداف الموضوعة لتلك العمليات تكون ذات طبيعة عسكرية حيث
أنها تأخذ شكل الإشراف على وقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة ومنع
تجدد العمليات العسكرية والحيلولة دون تبدل موازين القوى العسكرية
وتنفيذ أعمال الدورية العسكرية، وعلى هذا الأساس تأثر هذان الجانبان
بشدة عقب التحول الجذري الذي طرأ على نظام حفظ السلام عقب انتهاء الحرب
الباردة. الخصائص العسكرية لعمليات حفظ السلام: وبشكل عام فإن قوات حفظ
السلام كانت تتألف من بعثات من المراقبين العسكريين وقوات لحفظ السلام
وفي المراحل اللاحقة بدأت عمليات حفظ السلام في تبني صيغة تقوم على
المزج بين العمليات المدنية ذات الطبيعة الإنسانية بالإضافة إلى
البعثات العسكرية سواء لأغراض المراقبة العسكرية أو لأغراض حفظ السلام
وأطلق على هذه النوعية من العمليات «عمليات حفظ السلام متعددة الأبعاد»
ثم استحدثت الأمم المتحدة شكلاً ثالثاً لعملياتها وهو يندرج بشكل عام
في الإطار الأوسع لعمليات حفظ السلام وأطلق عليها «عمليات مرتبطة بحفظ
السلام» وأصبحت هذه النوعية من العمليات تستحوذ على القدر الأكبر من
أنشطة حفظ السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة وهي تشتمل على مشاركة
الأمم المتحدة في تنظيم ومراقبة الأعمال الداخلية في الدول المعنية
وأداء مهام السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة في ارجاء العالم
المختلفة والتي تقدر بـ 19 مهمة في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا
اللاتينية، عمل ويعمل بها حوالي 93460 فرداً من العسكريين والمدنيين
معظمهم يندرجون في إطار العمليات المتعددة الأبعاد أو العمليات
المرتبطة بأغراض حفظ السلام، ومن حيث الأهداف السياسية والعسكرية،
تعتبر قوات حفظ السلام من حيث المبدأ بمثابة قوات غير محاربة يقوم مجلس
الأمن بدفعها إلى مناطق الصراع لتنفيذ طائفة متعددة من المهام التي
تتراوح بين الإشراف على وقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة والتحقق
من مدى احترام الأطراف المعنية للهدنة القائمة والتأكد من عدم تحريك أي
قوات أو معدات إلى خارج خطوط وقف إطلاق النار المعلنة من أجل تغيير
الأوضاع ونقل صورة واضحة لمجلس الأمن عن أحوال السكان واللاجئين في
منطقة الصراع وتسهيل مهام لجان الإغاثة والمؤسسات الإنسانية والطبية في
منطقة الصراع والقيام بأعمال الدورية ومرافقة قوافل الإمدادات وحمايتها
وتأمينها، وعليه أن قوات حفظ السلام لا تعتبر طرفاً في أي صراعات قائمة
ولا يسمح لها بأن تبدأ عمليات عسكرية.
واقع الأمر أن عمليات حفظ السلام اتسمت بالتذبذب والغموض الواضح في
الأهداف السياسية والعسكرية المتبناة في العديد من حالات الصراع
المسلحة التي عملت تلك القوات في إطارها في الصومال والبوسنة ورواندا.
ومن حيث عدد وتسليح قوات الأمم المتحدة فقد كان تسليح القوات الدولية
العاملة تحت مظلة الأمم المتحدة يقتصر عادة على الأسلحة الفردية أو
الخفيفة ذات الطابع الدفاعي فقط- استناداً إلى أنها قوات غير محاربة
وكانت هذه الوضعية ذاتها لا تستدعي فيما مضى أعداداً كبيرة من القوات
الدولية. لكن ذلك اختلف كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية حيث وجدت
الأمم المتحدة ذاتها مضطرة لتخصيص قوات كبيرة نسبيا وذات مستوى عال من
التسليح لأداء مهام حفظ السلام.
* وتعتبر عمليات الأمم المتحدة في الصومال «يونيسوم2» أكبر وأقوى قوة
تقودها الأمم المتحدة في إطار عمليات حفظ السلام والولايات المتحدة
وضعت «5000» فرد منهم «1200» جندي مقاتل، «3800» فرد للإمدادات في هذه
العملية.
ومن حيث أسلوب القيادة والسيطرة العسكرية على عمليات حفظ السلام تفترض
من الناحية المبدئية أن قيادة عمليات حفظ السلام تسند عادة إلى الأمم
المتحدة ذاتها حيث تتلقى تعليماتها من الأمين العام للأمم المتحدة مع
بعض الاستثناءات كما حدث في الصومال ذاتها ورواندا حيث تولت الولايات
المتحدة قيادة العمليات في الصومال منذ أواخر العام 1992 حتى مايو 1993
ورواندا حيث تولت القوات الفرنسية قيادة العمليات لها، إن عناصر قوات
الأمم المتحدة واجهت صعوبات التنسيق بين بعضها البعض حيث كان قد جرى
تجميع تلك القوات من دول كثيرة تختلف من حيث اللغات والثقافات والعقائد
العسكرية والخبرات القتالية مما أدى لتولد مشكلات عديدة فيما يتعلق
بالقيادة والسيطرة والعمل العسكري المشترك.
أضف إلى ذلك أن نظام حفظ السلام يقوم على إسناد قيادة القوات إلى
العسكريين أحيانا من الدول الصغيرة في مقومات القوى الشاملة وعادة لا
يكون لدى هؤلاء العسكريين خبرة كبيرة في السيطرة على قوات ضخمة منتشرة
على مساحات واسعة من الأرض كما لا يملكون خبرة كافية في مجال إجراء
المناورات العسكرية مما يترتب عليه مشكلات عديدة في إدارة وتنسيق عملية
حفظ السلام ومن حيث آليات التعامل مع الصراع المسلح هناك حالتان من
حالات التدخل الدولي قد اشتملتا على الاستخدام الواسع النطاق للقوات
المسلحة من جانب القوات الدولية ضد بعض الأطراف المتصارعة في حالة
الصومال وحالة البوسنة وهكذا فإن الطبيعة العسكرية لعمليات حفظ السلام
الدولية قد شهدت تغيرا جذريا خلال فترة ما بعد الحرب الباردة في خمسة
مجالات رئيسية.
أولا: إن أنشطة حفظ السلام قد اتسعت كثيرا خلال السنوات القليلة
الماضية ووصلت إلى معدلات غير مسبوقة على الإطلاق منذ بدأ العمل بنظام
حفظ السلام.
ثانيا: مهام حفظ السلام باتت تتطور على منظومة جديدة تماما من الأعمال
لم تكن مدرجة من قبل مثل: تنظيم ومراقبة الانتخابات الداخلية وحماية
قطاعات واسعة من السكان وحماية مناطق آمنة معينة حددتها الأمم المتحدة
والتأكد من وصول المساعدات الإنسانية.. الخ.
ثالثا: إن أعمال حفظ السلام باتت ترتكز بالدرجة الأولى على بناء درجة
كبيرة من الاجماع بين القوى الدولية الكبرى لاسيما الدول الخمس دائمة
العضوية في مجلس الأمن.
رابعا: إن عمليات حفظ السلام اعتمدت لأول مرة على إسناد الحق في
استخدام القوات المسلحة للقوات الدولية كما في الصومال ورواندا.
إن عمليات حفظ السلام في الكثير من الحالات وبالذات في الصومال
والبوسنة قد شابها الكثير من الفوضى والارتباك والغموض سواء فيما يتعلق
بالأهداف والمهام الموضوعة للقوات الدولية أو بالنسبة لهيكل القيادة
والسيطرة على القوات أو فيما يتعلق بآليات التعامل مع المواقف الصراعية
القائمة مما آثار العديد من التحفظات والشكوك الدولية بشأن المسار
الراهن والمستقبلي لعمليات حفظ السلام مما يمكن ان ينعكس بدوره على
التجربة الجديدة في لبنان التي ستحل بدلا من قوات (اليونيفيل) التي
انحصر دورها في المراقبة في جنوب لبنان والتي تعتبر تجربة فاشلة بشكل
عام والتي ثبت أن التقارير التي كتبتها لم يسمح بنشرها بسبب العرقلة
الأميركية والإسرائيلية على حد سواء.
==================
اقتصاد لبنان بعد الحرب
القاهرة: نهاد عبدالوهاب
قدم الدكتور أحمد السيد النجار الباحث الاقتصادي في مركز الاهرام
الاستراتيجي صورة اولية لحجم الخسائر الاقتصادية بسبب الحرب
الاسرائيلية ضد لبنان حيث اوضح من خلال تقريره ان أهم أهداف إسرائيل من
عدوانها على لبنان هو تحطيم البنية الاساسية والاقتصادية اللبنانية عبر
عمليات همجية وإجرامية من التدمير الهستيري للطرق والجسور ومحطات
الكهرباء والمياه والمصانع فضلا عن التدمير غير الاخلاقي لمنازل
المدنيين.
ويقول الباحث: إن بيانات البنك الدولي تشير في تقريره عن مؤشرات
التنمية في العالم 2006 الى ان الدخل القومي الاجمالي للبنان البالغ
عدد سكانه نحو 4 ملايين نسمة قد بلغ نحو 21.3 مليار دولار العام 2004
في حين بلغ الدخل القومي الاجمالي الاسرائيلي نحو 118 مليار دولار وبلغ
عدد السكان نحو 7 ملايين نسمة في العام نفسه.
ويرتكز الاقتصاد اللبناني على قطاع الخدمات الذي يسهم بنحو 72 بالمئة
من الناتج المحلي الاجمالي بينما يقتصر اسهام قطاع الزراعة على 7
بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي، وبالتالي فان قطاع الخدمات هو
القطاع القائد في الاقتصاد اللبناني، ويرتكز قطاع الخدمات اللبناني على
السياحة وما يرتبط بها من خدمات النقل والمطاعم والفنادق، كما يرتكز
على الخدمات المالية والتأمينية والتجارية ويعتمد اقتصاد اسرائيل بدوره
على الخدمات والصناعة التحويلية بصورة اساسية.
لذا فقد وضحت تأثيرات العدوان الاسرائيلي ضد لبنان من خلال الآتي:
لبنان: 1- تقدر بعض الجهات الرسمية اللبنانية ان الخسائر الاقتصادية
بسبب الحرب في الايام العشرة الاولى قد بلغت 2.5 مليار دولار على
الاقل، ويقدر البعض الخسائر اليومية بنحو 100 مليون دولار.
2- اذا كان لبنان قد نجح في العام المالى المنتهى في يونيو 2006 في
تحقيق فائض في ميزان الحساب الجارى قيمته 1.8 مليار دولار، فان هذا
الفائض مهدد بالتحول الى عجز بسبب الاضرار الجسيمة التي تعرض لها قطاع
السياحة بالذات، كما ان الاحتياطي النقدي الذي تجاوز 16 مليار دولار
يمكنه ان يتآكل اذا طالت الازمة واضطر لبنان الى استنزافه.
3- تلقى لبنان استثمارات غير مباشرة بلغت نحو 2632 مليون دولار العام
2004 وهي استثمارات شديدة الحساسية للاضطراب الامني والعسكري، وبالتالي
فان قسما مهما منها يمكن ان ينسحب من السوق مخلفا تراجعاً كبيراً في
مؤشرات البورصة اللبنانية وفي مستوى السيولة فيها.
4- توجه الى لبنان تدفقات استثمارية اجنبية مباشرة بلغت نحو 288 مليون
دولار العام 2004، لكن مثل هذه الحرب ستؤدي على الارجح الى تراجع كبير
من التدفقات الجديدة للاستثمارات الاجنبية المباشرة الى لبنان.
5- اذا كانت الحرب أدت الى ارتفاع اسعار الذهب، فان لبنان قد استفاد من
ذلك اكثر كثيراً من اسرائيل حيث يملك لبنان احتياطات ذهبية تقدر بنحو
9.222 مليون أونصة، تبلغ قيمتها الراهنة نحو 6 مليارات دولار في حين
تملك اسرائيل نحو 9 الاف أونصة تبلغ قيمتها نحو 600 مليون دولار.
بالنسبة لاسرائيل يلاحظ الآتي:
1- إن الضربات الصاروخية التي وجهها حزب الله الى العمق الاسرائيلي قد
اضرت بقطاع السياحة الاسرائيلي الذي استقبل نحو 1.5 مليون سائح العام
2004 وبلغ انفاقهم نحو 2819 مليون دولار في العام نفسه.
2- تعد خسائر البورصة الاسرائيلية هي الاكبر في الاجل القصير على الاقل
حيث تراجع مؤشر اسعار الاسهم فيها نحو 3.5 بالمئة توازي اكثر من 4
مليارات دولار مع بدء الحرب وتراجع اكثر بعد نجاح حزب الله في قصف
مدينة حيفا.
3- ستؤدي هذه الحرب الى تراجع كبير في التدفقات الجديدة للاستثمارات
الاجنبية المباشرة الى اسرائيل بعدما توجهت اليها في العام 2004 حيث
بلغت 1619.
ورغم تلك الخسائر الاقتصادية على الجانب الاسرائيلي إلا ان تأثيرها
يبقى محدوداً للغاية على القرار الاسرائيلي الذي ينطلق دائماً من
اعتبارات عسكرية سياسية، نظراً لضمان اسرائيل لتدفق المساعدات اليها
لنجدتها في حالة تعرضها لأي أزمة اقتصادية وما أكثر المرات التي اسقطت
اميركا فيها ديونها المستحقة على اسرائيل او حولت القروض الى منح او
قدمت مساعدات ضخمة واستثنائية في اوقات الازمات كما ان اسرائيل تتلقي
سنوياً نحو 7 مليارات دولار تحويلات لا ترد حتى الآن برغم كونها دولة
غنية يبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل فيها نحو 18 الف دولار تقريباً.
اما بالنسبة للبنان فانه لم يجد حتى الآن موقفاً موحداً من الدول
العربية المصدرة للنفط لتقديم منحة لها بلغت 3 مليارات دولار فقط، في
الوقت الذي قدمت فيه هذه الدول منحة تزيد قيمتها على 1.5 مليار دولار
للولايات المتحدة لمساعدتها على مواجهة آثار إعصار كاترينا في العام
الماضي!!.
|