نظرة جديدة لتكامل والدين في ندوة اكسفورد
حوار إسلامي مسيحي
حول مسائل العلم والدين
محمد باسل الطائي *
انعقدت خلال الفترة 28-29 يونيو – حزيران - 2006
في رحاب كلية مانشسترهاريس في جامعة أكسفورد وبدعم من جامعة باريس
البينمناهجية، أعمال الندوة العلمية التي نحت للبحث حول إشكالية حوار
العلم والدين من وجهة نظر مسيحية وإسلامية، والتي شارك فيها نخبة من
العلماء الباحثين المسلمين والمسيحيين وكان منهم جون بروك وكيث وارد
ووليام كارول وخليل شمشام من جامعة أكسفورد، ودينيس ألكسندر من جامعة
كامبرج وجون ستون من جامعة باريس البينماهجية، ونضال قسوم من الجامعة
الأميركية في الشارقة، وعبدالحق كيدردوني مدير المرصد الفلكي لجامعة
ليون ومدير الأبحاث في المركز القومي للبحوث الفرنسية، ومحمد باسل
الطائي من جامعة اليرموك - الأردن، وعبدالحق حمزة من جامعة برنسويك -
كندا.
كان الهدف من هذه الندوة, التي امتدت على مدى
يومين, تبادل الأفكار والآراء بشأن علاقة العلم بالدين وامكان تصور
بنية جامعة مشتركة بين الإتجاهات السائدة حالياً. فمن المعلوم أن هنالك
حركة واسعة في الغرب تتعاظم باستمرار وتستهدف استبصار طرائقية علمية
لتفهم الدين وبناء علاقة تكامل بين العلم والدين. وقد ألقى المشاركون
محاضراتهم وكما يلي:
جون بروك: الأنجيل والعلم دينيس ألكسندر: هل يتعارض التدين مع التطور؟/
كيث وارد: الرؤية المسيحية/ وليم كارول: نظرية الخلق والعلم في العصور
الوسيطة/ جون ستون: تأملات في الاكتشافات الحديثة للعلم/ نضال قسّوم:
هل يتعارض القرآن مع التطور البيولوجي/ عبدالحق حمزة: تجليات إسلامية
في الخلق/ عبدالحق برينو كيدردوني: الرؤية الإسلامية للعلم/ خليل شمشام:
العلم والعقل العلمي في التراث الاسلامي/ محمد باسل الطائي: الفعل
الإلهي في الخلق من وجهة نظر اسلامية.
وحضر الندوة نخبة من أساتذة جامعة أكسفور وطلبة
الدراسات العليا فيها وعدد من المهتمين بهذه الدراسات. وشهدت مناقشات
مستفيضة وتبادل للآراء فكانت مساهمة نوعية في تطوير التوجهات التي
تستهدف الوصل بين الايمان الديني والعقل العلمي. ما يلي تلخيص لأهم
وقائع هذه الندوة.
ألقى الفيزيائي الفلكي
نضال قسوم محاضرته مستهلاً
بالكشوف الحديثة التي أظهرت حساسية الثوابت الأساسية في الطبيعة للتغير
وتأثيرها المباشر والحاسم في بنية الكون ووجود الحياة على الأرض فيما
يعرف بمبدأ الأنثروبي Anthropic
Principle. ثم تحدث قسوّم عن فكرة التطور
مبيناً أن القرآن الكريم لا يتعارض برأيه مع فكرة التطور إلا أنه
يتعارض مع أن نعزو فعل التطور إلى الطبيعة نفسها، بمعنى نفي التدخل
الالهي. وحيث أن الأدبيات الاسلامية قد أباحت وجود التطور في الأشياء
الجامدة والحية على السواء وأقرت وجود سلم الترقّي في الكائنات فهو لا
يجد حرجا في استيعاب الإسلام لفكرة التطور مستشهداً بآثار من الكتابات
الاسلامية كان أهمها ما طرحه العلامة ابن خلدون في المقدمة بشأن ترقي
الكائنات الحية، وكذلك أقوال إخوان الصفا في هذه المسألة.
ثم ألقى دينيس
ألكسندر وهو باحث مختص بالعلوم البيولوجية محاضرته
بخصوص نظرية التطور مُقلباً الوجوه المختلفة لهذه النظرية والمتعلقات
العملية المتصلة بها، مؤكدا على صحة الاعتقاد بالمسار التطوري العام
ومؤشرا في الوقت نفسه إلى أن جميع تفاصيل النظرية ليست بالضرورة صحيحة،
حيث تتوافر النظريات المعاصرة على فجوات بحاجة إلى ملء وأمامنا أسئلة
عدة دون إجابة. من هذا المنطلق لا يجد دينيس ألكسندر حرجاً دينياً من
تقبل الاعتقاد بوجود ظاهرة التطور بل إنه يجد أن التطور ربما يعزز
الايمان ولا يتنافى معه. وفي هذا الصدد أيضا جرت مناقشة كانت أهم
الإشارات فيها من الجانب الإسلامي إلى حقيقة أن المسلم يؤمن بأن أي
حركة للعلم هي من أمر الله نفسه.
أما أستاذ الفيزياء
عبد الحق حمزة، فأن محاضرته
أرتكزت إلى جملة تأملات صوفية في عظمة آيات القرآن وثراء محتواها الفني
والبنائي وانعكاس ذلك على النشاط التأملي للإنسان في العالم وخلقة،
وتأثيره في استنهاض قدرة الابداع في الانسان المسلم واستثارة انتباهه
إلى التراكيب والبنى المؤسِِسَة للعالم.
من طرفه، توجه جون
بروك إلى الحضور بقوله: كلما جئنا بالكتاب المقدس
لنستخلص منه علماً طبيعياً كانت النتيجة كارثية، فالعلم يتقاطع مع نصوص
الكتاب المقدس تقاطعاً واضحاً. وتساءل بروك: هل نواجه الواقع نفسه
عندما نقابل القرآن مع العلم؟ من هنا انطلق بروك للبحث في القيمة
المعرفية للنص الديني أزاء القيمة المعرفية لمفردات العلم مشيرا إلى
ضرورة الحذر في التعامل مع كلا الحقلين ومؤكدا في الوقت نفسه على
استقلالية الحقلين رغم امكان ايجاد الوشائج والصلات الفلسفية بينها.
بعد ذلك جرت مناقشة مفصلة تركزت على تساؤل بروك آنف
الذكر وكان أهم ما فيها عرض وجهة النظر الإسلامية التي تتلخص بما يلي:
نحن المسلمين نؤمن بأن القرآن هو كلام الله سبحانه الموحى إلى نبيه
محمد (ص)، ونعلم من نصوص القرآن نفسه أن القرآن محفوظ فضلاً عن الوقائع
التاريخية الموثقة التي تؤكد أن الرسول أشرف بنفسه على تدوين القرآن
تباعاً وقت نزوله. ونؤمن أن علم الله مطلق وقد نزل القرآن من علم الله
دون أن يطاله التحريف والتبديل. ونؤمن أن الله قد أنزل في القران كلامه
كما أراد. وهذا إختلاف جوهري مهم بين القرآن والكتاب المقدس. ولهذه
الأسباب لا نرى وجود تعارض حقيقي بين العلم الصحيح والقرآن. ونقول أن
أي تعارض يحصل بين نصوص القرآن وما نتَحصَّل عليه من العلوم إنما مصدره
على الأرجح واحد من سببين هما: إما تفسير خاطيء لنص القرآن لا يكشف عن
مقاصده الحقيقية. وهذا ما كان قد حصل أحياناً في التفاسير القديمة. أو
نقص في المعرفة العلمية يحتاج إلى استكمال بتطور هذه المعرفة.
وهنا أثير سؤال وجيه من الطرف المسيحي يقول: هل
تعتقدون إذن بالقرآن كتاباً شاملاً لعلوم الطبيعة وأنه ربما يفصح عن
محتوى قوانينها على نحوٍ تفصيلي، مثل الادعاء القائل بأن سرعة الضوء
موجودة في القرآن؟ وأجاب الجانب المسلم: الأمر ليس بهذه البساطة، بل
نحن نعتقد بأن القرآن هو في الأصل كتاب هداية وشريعة وإنه قد إحتوى على
جملة كبيرة من الاشارات استهدفت تبيان عظمة الخالق ودقة صنعته في
الخلق. وإن هذه الاشارات لكونها جاءت من علم الله المطلق فإنها لا بد
أن تكون صحيحة ودقيقة. إنما يبقى كيفية فهمها. إلا أن من المؤكد عندنا
أن القرآن لم يستهدف تقديم نظريات علمية أو الكشف عن قوانين طبيعية.
فالعلم الاستنباطي الذي يكشف عنه الانسان في الطبيعة إنما هو تصوراتنا
نحن البشر لكيفية عمل السنة الطبيعية التي هي في حقيقتها الجوهرية سنة
إلهية. من جانب آخر فإن هذا لا يعني بأي حال إقراراً بأن القوانين التي
تسمى طبيعية هي بالضرورة قوانين الله في العلم بل هي ما نكشفه نحن
وربما يخضع ذلك إلى التبدل والتغير فكثير من نظريات العلم تبدلت بينما
يبقى القرآن ثابتاً لا يتبدل. أما ما يختص بجهود بعض المجتهدين من
المسلمين في أنشطة ما يسمونه "الإعجاز العلمي في القرآن" فإن هذه
الإجتهادات شخصية قد يصح شيء منها في تبيان الاشارات القرآنية وتفسيرها
وقد لا يصح، وعموماً فنحن لسنا مع التوجه المتعسف الذي ينتقي الإشارات
ويجتزئها من حيثياتها ويغالي في الادعاءات، إنما نؤكد أن لا تعارض بين
صريح القرآن والعلم الصحيح.
ثم ألقى كيث وارد المختص بفلسفة
العلم والدين, محاضرته حول الإيمان المسيحي بالعلم, وبَّين أن هنالك
فرقاً واضحا بين إيمان المسيحي العالِم وإيمان المسيحي العامي وأشار
إلى مشكلة صراع العقل والغيب وعرض لجانب من تطور هذا الصراع الذي أدى
في مرحلة هيمنة الكنسية في أوروبا إلى اضطهاد الفكر العلمي والعلماء
فكانت مأساة غاليليو غاليلي. لكنه بيَّن بعد ذلك أن هذا الصراع في
حقيقته كان مصطنعاً لأنه إنطلق من مواقف شخصية وكان ينم عن مواقف لا
تمت بالضرورة إلى الكتاب المقدس نفسه.
وقام المسلم الفرنسي عبدالحق برينو
كيدردوني من جهته ببيان موقف الإسلام من العلم موضحاً أن
الإسلام لم يتعارض يوما مع عمل العلماء بل كان للعلماء المسلمين الحرية
الكاملة في استكشاف العالم والبحث عن أسراره. مؤكدا في الوقت نفسه على
ازدهار المعرفة العلمية في ضوء تشجيع الدولة لها بخاصة في العصر
العباسي, وعدم حصول أي مواجهة بين العلم والدين أبان الحكم الإسلامي
للعالم. مؤكداً هو الآخر أن ما كان حصل من صراعات فكرية بين هذا المفكر
أو ذاك إنما كانت تنطلق من مواقف سياسية أو شخصية تعبر عن تناقض مصالح
خاصة. وقد استحضر كيدردوني أمثلة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية
تشهد بهذا وتؤكد حرية الرأي العلمي.
ثم جاء دور خليل شمشام الذي تعرض
لبعض أشكال الصراع بين الفكر الغيبي والفكر العلمي، وكان المثال الذي
وظفه شمشام في هذا الإتجاه هو المحاججة التي دارت بين أبو حامد الغزالي
وابن رشد والنقد الذي وجهه الأخير إلى موضوعة نفي السببية التي قال بها
المتكلمون المسلمون وبالأخص الأشعرية منهم. وكان هذا العرض دعوة إلى
إعادة النظر في التفكير الديني الذي ينطلق في بعض وجوهه من منطلقات
غيبية بهدف فرض الوصاية على العلم أحياناً. ودعا إلى التعامل المنفتح
مع العلم. وقد جرى التعقيب على هذا الطرح في إطار ضرورة الدعوة إلى
تدقيق الرؤية التاريخية والنظر بعين واعية لتفهم وجهة نظر المتكلمين
الذي رفضوا في حقيقة الأمر السببية الطبيعية ولم يرفضوا العلائق
السببية.
ثم عرض وليام كارول المتخصص في
دراسات تاريخ وفلسفة العلم في القرون الوسيطة, لجانب من المرتكزات
الأساسية لتطور العلم والمعرفة عند المسلمين مشيرا إلى منجزات أساسية
لإبن سينا والفارابي وما قدمه المتكلمون المسلمون في نظرية الخلق
وامتيازهم عن الفلاسفة اليونان بقولهم بمبدأ الحدوث واعتقادهم بأن الله
هو مسبب الأسباب، وبالتالي هو السبب الوحيد لكل ما يحدث في العالم.
وتحدث عن الاطار الفلسفي الإسلامي لفهم العلاقة بين العلم والدين
وتفسير الوجود إعتماداً على مفهومي الإمكان والضرورة. كما أشار كارول
قصور المعرفة العلمية المعاصرة عن إدراك سبب الخلق وأسرار الوجود.
واستهل محمد باسل الطائي محاضرته
مذكراً بحوارات المتكلمين التي كانت تجري في البصرة وبغداد قبل أكثر من
ألف سنة. ثم عرض للتصور الإسلامي للفعل الإلهي في العالم وبيَّن أن
المسلمين يؤمنون بإله قيوم مطلق القدرة والإرادة والإختيار، ولأن
العالم لا يملك الإرادة ولا الاختيار فإنه لا يقوم إلا بالله الواحد
الأحد. أي أن العالم محتاج إلى الله في كل آن، وبالتالي فإن الله في
عقيدة المسلمين هو خالق دائم الحضور خلافا لإله اليونان المستقيل. وفسر
الطائي حركة العالم كله في كلياته وجزئياته على هذا الأساس مشيراً إلى
أن علم الانسان مفارق لعلم الله ومؤكداً حقيقة أن معرفتنا العلمية عن
العالم قوامها النمذجة (Modeling)
أي قائمة على جملة تصورات تحكمها مسلمات وبنى منطقية معينة هي ليست
بالضرورة المنطق الإلهي نفسه. وقدَّم أمثلة من ميكانيك الكم حيث يتضح
منها أن القوانين الطبيعية تتخذ صياغة رياضية تجريدية تتفعل من خلال
الإجراءات (operators)
كما قدَّم أمثلة من نظرية النسبية العامة حيث تفتح هذه النظرية آفاقا
واسعة لعوالم أخرى. كما أشار الطائي إلى ضرورة الاستفادة من طروحات
المتكلمين المسلمين حيث يجد أن معظم المسائل التي يجري نقاشها اليوم
تحت مظلة العلاقة بين العلم والدين كان جرى بحثها في علم الكلام قبل
أكثر من ألف عام. بل يرى أن حوارات العلم والدين تكرر اليوم أخطاء كان
وقع فيها المتكلمون السابقون. ودعا إلى توليد علم كلام جديد يتخذ من
إنجازات العلم الحديث وطرائقيات العلم المعاصر المتقدمة وسيلة لتصفية
علم الكلام القديم والعمل على انبعاثه بثوب علمي جديد وضمن إطار جديد
يحدد فيه ما هو من إختصاصات العقل وما هو خارج عن اختصاصاته لكي تكون
المعالجة مثمرة.
ثم تحدث جان ستون عن المعطيات
الجديدة للعلم المعاصر بخاصة ميكانيك الكم الذي يقدم حقائق جديدة عن
العالم تؤكد خطأ التصور الكلاسيكي الجامد وتنقل الفهم العلمي للعالم
إلى مستويات جديدة تتمركز حول الامتداد اللانهائي لوجود الأشياء وضرورة
الاعتراف بعلائق لا سببية بين المتغيرات الفيزيائية للظواهر المحققة
تجريبياً وبهذا الصدد أشار إلى معضلة أينشتاين وبودلسكي وروزن التي
تختصر بالاسم (EPR paradox)
والتي قام الفيزيائي الفرنسي أسبكت من التحقق منها تجريبياً حينما شطر
فوتون واحد إلى فوتونين تباعدا مسافة كبيرة وتم تغيير خواص أحدهما
فانعكست تلك التغيرات على الفوتون الثاني مباشرة، ما يوحي بوجود إشارات
لا سببية تربط أجزاء العالم. كما أشار ستون إلى أمثلة تجريبية أخرى
يحصل خلالها خرق للزمان. وهذه كلها برأيه مدعاة لإعادة النظر في التصور
المادي الجامد للعالم ومدعاة لقبول وجود قوانين أخرى وسنن كونية لا
نعرف عنها الشيء الكثير. ومن الجدير بالذكر أن الدكتور ستون هو مدير
جامعة فرنسية تعني بالدراسات المتداخلة (interdisciplinary)
ولها نشاطات واسعة في خدمة حوارات العلم والدين في أنحاء مختلفة من
العالم.
وقد أثرت إيناس سافي، الباحثة في
المركز القومي للبحوث الفرنسية في مجال الفيزياء النووية، النقاش
بالحديث عن تجربتها الشخصية في معايشة تجربة العلاقة بين التأمل
الإيماني والاستنباط العلمي والذي جعلها تدرك أن العلم يهدي إلى
الإيمان ويعمقه، ما يستدعي مزيدا من الجهد في الربط بين العلم والدين
بهدف إقامة علاقة تكاملية بينهما.
العلم للوصول إلى الإيمان
في إطار الرؤية الشاملة لهذه الندوة المميزة يمكن
القول إنها كانت فرصة ممتازة لتبادل الأفكار والرؤى ولإغناء حوار العلم
والدين بالاتجاه الذي يعمق المسارات المثمرة في تلك الحوارات التي
تستهدف الوصول إلى تعاضد كلا الحقلين. ومن أجل تعميق إدراك الانسان
ورؤيته للعالم وفهم معنى وغاية وجوده في هذا العالم ثم السعي لاستنباط
قواعد التعامل معه ليثمر هذا المجهود عن دور ايجابي وفاعل في مستقبل
العالم. وقد صارت هذه الجهود ضرورية بعدما أدرك الانسان عقلياً وعبر
براهين علمية رصينة أن هذا العالم كله مخلوق فيما يبدو لأجله هو،
فالانسان هو أرقى الكائنات المعروفة وقيام الحياة على هذه الأرض بما
تشهد به الكشوف العلمية وما يشهد له تاريخ المعرفة يؤكد مركزية الانسان
ودوره المعنوي والمادي في استكشاف العالم وبدون وجود الانسان ربما يصبح
وجود الكون كله تمرينا عبثياً.
ومن الواضح، حتى الآن على الأقل، أن استنباط
القواعد الأخلاقية من العلم العقلي نفسه دون وجود مسلمات إيمانية غير
ممكن، فالعلم لا يتعامل مع المعاني بل مع المباني. وهنا يأتي دور الدين
الذي هو منبع الأخلاق بكونه منظومة قيمية أصلاً. وهذا يعني أن الاعتماد
على العلم فقط ربما يأخذ بالبشرية إلى طريق مسدود. إذ بدون التوفر على
منظومة خلقية وقيمية سيبقى العلم كفيفاً، وقد يضل الطريق ويودي بالعالم
إلى الهاوية. وإذ تكون الأطر والأساليب التقليدية الوعظية والتبريرية
القديمة لتقصي الغيب والايمان به، عاجزة عن وصل الانسان بالدين؛ صار من
الضروري الاستعانة بالعلم للوصول إلى الايمان والاهتداء إلى بر
السلامة. وربما سيكون ذلك ممكناَ عبر منطلقات ايمانية عقلية تجد تمثلها
في ممارسة أخلاقية راقية تستمد شرعيتها من توافق العلم والدين رغم أن
لكل منها حقله الذي يحرث فيه. ولكي تتحقق هذه الأُمنيات لابد من تجديد
الخطاب الديني تجاه العلم ولابد من تقييم معطيات العلم ووضعها في خدمة
الترقّي العقلي والروحي للإنسان. وبدون رؤية هذه الحقائق والانتباه
اليها سيجد الباحث عالمه كياناً يفتقد الغاية كما يقول الفيزيائي
الكبير ستيفن واينبرغ.
من لطائف الندوة ما حصل في ختام مأدبة العشاء
الأخيرة التي جمعت المتحدثين حيث إستأذن البرفسور جون بروك الحضور
للوقوف لقراءة دعاء الشكر لله على نعمته، وبعدما انتهى من الدعاء قلنا
جميعاً (آمين). ثم قام الدكتور عبدالحق كيداغدوني بقراءة سورة الفاتحة
وحين انتهى منها قلنا جميعاً (آمين). فقلت لهم: هذه الآمين هي نفسها
تلك الآمين. ما أجمل الاجتماع على الإيمان والتذاكر معاً بنور العلم.
* أستاذ الفيزياء النووية - جامعة اليرموك - الأردن |