العدد

177 :

الخميس, نوفمبر 20, 2008 - 9:34 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

متحف الفنون الأولى

 مساحة الحوار والتراث الإنساني

 

باريس/ أسعد عرابي

 

لازال متحف الفنون الأولى (برونلي) في باريس يمثل الحدث المركزي الثقافي الأول. فافتتاحه شغل موسم 2006 (منذ شهر تموز-يوليو) ولازال يشغل الأحداث بمعارضه المثيرة المتتالية والراهنة. يؤكد افتتاحه واستمرار أصداؤه ذلك التحول الفكري العميق: من النظرة الاستعمارية إلى الشمولية الثقافية الديمقراطية.

هي الفكرة التي أراد بها الرئيس شيراك أن يخلد أسمه من خلالها.

بدأت الفكرة منذ عشر سنوات، صدر خلالها مرسوم ملزم للجامعات ودور البحث بإلغاء تعبير "الفنون البدائية"، لما يحمله من استهانة بفنون الشعوب الأخرى خاصة في العالم الثالث (أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا وأوستراليا وأميركيا)، وصولا حتى سيبيريا والأسكا. بل أن استبدال هذا المصطلح الاستعماري بالمصطلح الجديد: "الفنون الأولى"، يحمل الاعتراف المضمر بأن الفنون الأوروبية (خاصة الإغريقية/ الرومانية)، بمثابة "الفنون الثانية" بسبب سبق الفنون غير الأوروبية لها تاريخيا. هو ما يفسر أن رمز المتحف كان عبارة عن إناء فخاري من حضارة الأنكا  قبل ألف عام.

وهكذا فقد غلب على المجموعة التراث الهندي الأميركي لحضارتي الأنكا والأزتيك، وصُمم المتحف استلهاما من غابات الأمازون (البرازيل)، هي التي شكلت رئة الكرة الأرضية برحابتها، والتي تضمر الإدانة الإيكولوجية للولايات المتحدة؛ ليس فقط بقضائها على حضارات القارة، وإنما أيضا باستثمارها المفرط لأخشاب الأمازون، وعدم التزامها باتفاقية كيوتو العالمية، وبالتالي الحفاظ على جنون التلوث الصناعي الذي قاد إلى ثقب الأوزون والاحتباس الحراري وفوضى الطقس وفقدان التوازن في العناصر الأربعة في الطبيعة، واندثار أكثر من مليون جنس حيواني.

 

ويفضح هذا التنافس المضمر سبق تأسيس متحف خاص بالهنود الحمر في واشنطن قبل عام. ناهيك أن الرئيس جاك شيراك نفسه يملك مجموعة أثرية من الآثار الأميركية والأفريقية.

وزلزل هذا المشروع بإستراتيجيته الثقافية الجديدة العديد من المتاحف التي كانت تعتمد على بداهة بائدة حول تفوق العنصر الآري أو اللاتيني في الثقافة. وهكذا أغُلق "متحف الفنون الأفريقية وجزر المحيط الهادي"، عند بورت دوريه في غابات فنسين، وحُولت ذخائره إلى المتحف الجديد، وكذلك أستقطب جزء من "متحف الإنسان" و"الاكتشافات" واللوفر وسواهم. وأستعير قسم من المتاحف والمجموعات العالمية، وتم التبرع ببعض المجموعات حتى بلغت كنوز المتحف اليوم ما يتفوق على إي متحف في العالم من هذا الطراز. تصل حتى ثلاثمائة ألف تحفة فنية. لم يكن بالإمكان عرض اكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة على مساحة تقارب الخمسة آلاف مترا مربعا، مقسمة إلى ستة أقسام من العروض ترتبط بالزمان والمكان.

وهنا نصل إلى معجزة اللبوس المعماري الذي يعكس فكريا وتربويا هذه الصبوة الشمولية التي تجمع التراث الإنساني الروحي والسحري والطقوسي بنفس المستوى.

المهندس "جان نوفيل" والمعجزة المعمارية:

يربض صرح المتحف على ضفاف نهر السن (رصيف برونلي) مقابل "برج أيفل" في قلب عاصمة النور؛ وبامتداد معماري يتجاوز المئتي مترا.

كان أعظم مهندسي فرنسا جان نوفيل قد فاز بالمسابقة العالمية، وذلك لمطابقة مشروعه ليس فقط لروح الريادة الحداثية وإنما خاصة لاستجابته المثالية للبعد الوظيفي- التربوي . يتحدث هو نفسه عن تلبيته للحاجة المزدوجة والمتناقضة في: "غياب النور"، للحفاظ على مخزون المستودعات، والحاجة إلى النور من أجل وضوح الرؤيا في عروضها. تتراوح هذه الاستجابة المعمارية بين علب التخزين المكعبة الهائلة والبارزة  في الواجهة أو بالعكس بتطبيق مبدأ المساحات الزجاجية المتراشحة برحابتها مع الضوء الخارجي. يشمل البناء على مكتبات ودور بحوث مجهزة بأحدث وسائط الاتصال والأرشفة المعلوماتية، ثم على مسارح وقاعات محاضرات بشتى اللغات، إضافة بالطبع إلى مساحات صالات العرض، بعضها معلّق من أجل المعارض المؤقتة.

من المعروف أن "جان نوفيل" صمم في عهد الرئيس السابق ميتران عمارة "معهد العالم العربي" مرصعا واجهته الجنوبية بعدسات عملاقة تقوم بدور نوافذ بهيئة مثمن الرقش الإسلامي، تفتح وتغلق آليا وفق درجات حرارة وكمية نور الشمس وساعات النهار.

تجاوزت كلفة المتحف الجديد ثلاث مرات عمارة المعهد فقد بلغ مائة وسبعون مليون يورو خلال أربع سنوات مضنية اختبارية ميدانية، قابلة كل مرحلة للتعديل ذلك أن نوفيل يقود فريقا تقنيا عالي المستوى. بعضهم نتعرف على أسمائهم لأول مرة.

من التجديدات المعمارية الكبرى في هذا المقام أن العمارة تتألف من ثلاث هياكل مستقلة ومتباعدة تتصل ببعضها عن طريق الجسور فقط. نعثر هنا على دور مهندس النباتات والأشجار الذي لا يقل أهمية عن مهندس العمارة. فقد عانقت أنواع النباتات "الأمازونية" والأشجار المدارية الجدران والمنافذ والعتبات لتصل مع مساحة الحدائق والحيطان إلى أكثر من ألفي مترا مربعا.

محتويات كنوز المتحف:

رصد الرئيس شيراك ميزانية ضخمة لمقتنيات المتحف منذ البداية. هي التي تضخمت خلال عشر سنوات وبرزت فيها المجموعات الأفريقية والأمريكية وحضارات المحيط الهادي وبعض الحضارات العريقة مثل الصين والشرق العربي والإسلامي الذي لازال نصيبه متواضعا. اهتمت السيدة شدياق المسؤولة اللبنانية الأصل بحرفيات البوادي العربية وبعض نماذج "خيال الظل" كالتي بقيت عامرة (خيام كراكوز وعواظ) حتى نهاية الستينيات في المدن السورية ما بين حلب ودمشق وأرواد.

هو ما يؤكد عدم اكتمال المجموعة رغم ضخامة عددها. وهو ما ينبه إلى ضرورة تعاون وتبرع المتاحف العربية ببعض آثار فنونها حتى تتحقق شراكتها في هذا المتحف الذي يعتبر اليوم أهم متحف في العالم للحوار الثقافي والتراث الإنساني على مستوى الكوكب الأرضي.

يعتبر تحقيقه اليوم وفي نهاية مدة ولاية شيراك للرئاسة انتصارا ثقافيا للوجه الديغولي "المعادي للحقبة الاستعمارية التي سبقت استقلال الجزائر".

يستحق إذن هذا "المتحف-الحدث" عناية خاصة من وزارات الثقافة العربية والإسلامية، وتوقف الصحافة العربية على الأقل عن استخدام التعبير العنصري: "الفنون البدائية" التي سجل المتحف إدانة لها.





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع